منتدى أهل السنة والجماعة (بورسعيد )
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي



 
الرئيسيةالرئيسية  دخولدخول  التسجيلالتسجيل  

شاطر | 
 

 فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:34 pm

فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية 1

د. علي الصلابي



شخصيته وعصره
دراسة شاملة


أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وفكر الشيعة
-1-
المعنى اللغوي والاصطلاحي للشيعة والرفض ولمحة تاريخية عن نشأة الشيعة الرافضة ومراحل تطورها.

أولاً: الشيعة في اللغة والاصطلاح, والرفض في اللغة والاصطلاح
الشيعة في اللغة:
شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره, ويقال: شايعه, كما يقال: والاه من الولى.. وتشيّع الرجل أي: ادعى دعوى الشيعة, وتشايع القوم صاروا شيعًا, وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعضهم فهم شيع, وقوله تعالى: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ" [سبأ:54]. أي بأمثالهم من الأمم الماضية( ) وجاء في المصباح المنير: والشيعة الأتباع والأنصار, وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة, ثم صارت الشيعة نبرًا –أي وصفًا- لجماعة مخصوصة والجمع شيع مثل: سدرة وسدر, والأشياع جمع الجمع, وشيعت رمضان بست من شوال أتبعته بها( ) فالشيعة من حيث مدلولها اللغوي تعني: القوم والصحب والأتباع والأعوان, وقد ورد هذا المعنى في بعض آيات القرآن الكريم كما في قوله تعالى: "فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ" [القصص:15], وقوله تعالى: "وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ" [الصافات:83], فلفظ الشيعة في الأولى: تعني القوم, وفي الثانية: تشير إلى الأتباع الذين يوافقون على الرأي والمنهج ويشاركون فيهما.
تعريف الشيعة في الاصطلاح:
إن تعريف الشيعة مرتبط أساسًا بأطوار نشأتهم, ومراح التطور العقدي لهم, ذلك أن من الملحوظ أن عقائد الشيعة وأفكارها في تغير وتطور مستمر, فالتشيع في العصر الأول غير التشيع فيما بعده, ولهذا كان الصدر الأول لا يسمى شيعيًا إلا من قدم عليًا على عثمان( ), ولذلك قيل: شيعي وعثماني, فالشيعي من قدم عليًا على عثمان, فعلى هذا يكون التعريف للشيعة في الصدر الأول: أنهم الذين يقدمون عليًا على عثمان فقط( ). ولهذا ذكر ابن تيمية: أن الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر( ), وقد منع شريك بن عبد الله –وهو ممن يوصف بالتشيع –إطلاق اسم التشيع على من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر, وذلك لمخالفته لما تواتر
عن علي في ذلك.
والتشيع: يعني المناصرة والمتابعة لا المخالفة والمنابذة( ), وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق قال: حدثنا محمد بن حميد, حدثنا جرير, عن سفيان, عن عبد الله بن زياد بن جرير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة, فقال لنا شهر بن عطية: قوموا إليه, فجلسنا إليه, فتحدثوا, فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما, وقدمت الآن( ) وهم يقولون: ولا والله ما أدري ما يقولون. قال محب الدين الخطيب: هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع, فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها( ), ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين, وعمّر حتى توفى سنة 127هـ, وكان طفلاً في خلافة أمير المؤمنين علي, وهو يقول عن نفسه: رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب, أبيض الرأس واللحية, ولو عرفنا متى فارق الكوفة, ثم عاد فزارها, لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر, وعمر, ومتى أخذوا يفارقون عليًا ويخالفونه فيما كان يؤمن به, ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه, صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وخليفتيه على أمته في أنقى وأطهر أزمانها( ), وقال ليث بن أبي سليم: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا( ).
وذكر صاحب مختصر التحفة: إن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير رضي الله عنه من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان, كلهم عرفوا له حقه, وأحلوه من الفضل محله, ولم ينتقصوا أحدًا من إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن إكفاره وسبه( ), ولكن لم يظل التشيع بهذا النقاء والصفاء والسلامة والسمو, بل إن مبدأ التشيع تغير, فأصبحت الشيعة شيعًا, وصار التشيع قناعًا يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين الحاسدين... ولهذا نسمي الطاعنين على الشيخين الرافضة, لأنهم لا يستحقون وصف التشيع( ), ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين, وغير المحدثين من العلماء والأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة, وقد يكونون من أعلام السُنَّة, لأن التشيع في زمن السلف مفهومًا وتعريفًا غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة. ولهذا قال الذهبي في معرض الحديث عمن رمى ببدعة التشيع: إن البدعة على ضربين, فبدعة صغرى, كغلو التشيع, أو كالتشيع بلا غلو, فهذا كثير في التابعين, وأتباعهم مع الدين والورع والصدق, فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية, وهذه مفسدة بينة, ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل, والغلو فيه, والحطّ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما, والدعاء إلى ذلك, فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة أيضًا, فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقًا ولا مأمونًا, بل الكذب شعارهم, والتقية والنفاق دثارهم, فكيف يقبل نقل من هذا حاله, حاشا وكلا, فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير, وطلحة ومعاوية, وطائفة ممن حارب عليًا رضي الله عنه وتعرض لسبهم, والغالي في زمننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين فهذا ضال مفترٍ( ).
إذن التشيع درجات, وأطوار, ومراحل, كما أنه فرق وطوائف, وقبل أن ندع الحديث حول تعريف الشيعة نشير إلى أنه يلحظ على تعريفات الشيعة الواردة في معظم كتب المقالات, أنها دأبت على القول في التعريف للشيعة الإمامية بأنهم أتباع علي.. إلخ.
وهذا يؤدي إلى نتيجة خاطئة تخالف إجماع الأمة كلها, هذه النتيجة أن يكون علي شيعيًا يرى ما يراه الشيعة, وعلي رضي الله عنه برئ مما تعتقده الشيعة فيه وفي بنيه ولذلك لابد من وضع قيد واحتراز في التعريف رفعًا للإبهام, فيقال: هم الذين يزعمون اتباع علي, حيث إنهم لم يتبعوا عليًا على الحقيقة, وليس أمير المؤمنين على ما يعتقدون( ), أو يقال: بأنهم المدعون التشيع لعلي, أو الرافضة, ولذلك عبر عنهم بعض أهل العلم بقوله: الرافضة المنسوبون إلى شيعة علي( ), فهم أيضًا ليسوا على منهج شيعة علي المتبعين له, بل هم أدعياء ورافضة( ).
- الرفض في اللغة هو: الترك, يقال رفضت الشيء: أي تركته( ), فالرفض في اللغة معناه الترك والتخلي عن الشيء.
- الرافضة في الاصطلاح هي: إحدى الفرق المنتسبة للتشيع لآل البيت, مع البراءة من أبي بكر وعمر وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل منهم, وتكفيرهم لهم وسبهم إياهم( ), قال الإمام أحمد رحمه الله: الرافضة: هم الذين يتبرءون من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم وينتقصونهم( ). وقال عبد الله بن أحمد –رحمه الله-: سألت أبي عن الرافضة؟, فقال: الذين يشتمون أو يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما( ).
وقال أبو القاسم التيمي بقوام السنة في تعريفهم: وهم الذين يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ورضي عن محبيهما( ), وقد انفردت الرافضة من بين الفرق المنتسبة للإسلام بمسبة الشيخين أبي بكر وعمر, دون غيرها من الفرق الأخرى, وهذا من عظيم خذلانهم, قاتلهم الله( ).
يقول ابن تيمية رحمه الله: فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما أبغضتهما الرافضة ولعنتهما, دون غيرهم من الطوائف( ), وقد جاء في كتب الرافضة ما يشهد لهذا, وهو جعلهم محبة الشيخين وتوليهما من عدمهما هو الفارق بينهم وبين غيرهم ممن يطلقون عليهم النواصب, فقد روى الدرازي عن محمد بن علي بن موسى قال: كتبت إلى علي بن محمد عليه السلام( ) عن الناصب هل يحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت( ), واعتقاد إمامتهما؟, فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب( ).
- سبب تسميتهم رافضة: يرى جمهور المحققين أن سبب إطلاق هذه التسمية على الرافضة, لرفضهم زيد بن علي وتفرقهم عنه بعد أن كانوا في جيشه, حين خروجه على هشام بن عبد الملك, في سنة إحدى وعشرين ومائة, وذلك بعد أن أظهروا البراءة من الشيخين فنهاهم عن ذلك. يقول أبو الحسن الأشعري: وما كان زيد بن علي يفضل علي ابن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أبا بكر وعمر, ويرى الخروج على أئمة الجور, فلما ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن في أبي بكر وعمر, فأنكر ذلك على من سمعه منه فتفرق عنه الذين بايعوه فقال لهم: رفضتموني( ), فيقال: إنهم سموا رافضة لقول زيد لهم: رفضتموني, وبهذا القول قال قوام السنَّة( ), والرازي( ), والشهرستاني( ), وابن تيمية( ) رحمهم الله وذهب الأشعري في قول آخر: إلى أنهم سموا بالرافضة لرفضهم إمامة الشيخين, قال: وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر( ).
- رافضة اليوم: والرافضة اليوم يغضبون من هذه التسمية ولا يرضونها, ويرون أنها من الألقاب التي ألصقها بهم مخالفوها, يقول محسن الأمين: الرافضة لقب ينبز به من يقدم عليًا رضي الله عنه في الخلافة وأكثر ما يستعمل للتشفي والانتقام( ), ولهذا يتسمون اليوم الشيعة, وقد اشتهروا بهذه التسمية عند العامة, وقد تأثر بذلك بعض الكتاب والمثقفين, فنجدهم يطلقون عليهم هذه التسمية, وفي الحقيقة أن الشيعة مصطلح عام يشمل كل من شايع عليًا رضي الله عنه( ), وقد ذكر أصحاب الفرق والمقالات أنهم ثلاثة أصناف:
أ- غالية: وهم الذين غلوا في علي وادعوا فيه الإلهية أو النبوة.
ب- ورافضة: وهم الذين يدعون النص على استخلاف علي, ويتبرءون من الخلفاء قبله وعامة الصحابة.
ج- وزيديّة: وهم أتباع زيد بن علي, الذين كانوا يفضلون عليًا على سائر الصحابة ويتولون أبا بكر وعمر( ). فإطلاق الشيعة على الرافضة من غير تقييد لهذا المصطلح غير صحيح, لأن هذا المصطلح يدخل فيه الزيديّة( ), وهم يتولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما, بل أن تسميتهم بالشيعة يوهم التباسهم بالشيعة القدماء الذين كانوا في عهد علي رضي الله عنه ومن بعدهم, فإن هؤلاء مجمعون على تفضيل الشيخين على علي رضي الله عنه, وإنما يرون تفضيل عليّ على عثمان, وهؤلاء كان فيهم كثير من أهل العلم ومن هو منسوب إلى الخير والفضل, ويقول ابن تيميه رحمه الله: ولهذا كان الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليًا, أو كانوا في ذلك الزمان, لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر, وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان( ), ولذا فإن تسمية «الرافضة» بالشيعة من الأخطاء البينة الواضحة التي وقع فيها بعض المعاصرين, تقليدًا للرافضة في سعيهم للتخلص من هذا الاسم لما رأوا من كثرة ذم السلف لهم, ومقتهم إياهم, فأرادوا التخلص من ذلك الاسم تمويهًا وتدليسًا على من لا يعرفهم بالانتساب إلى الشيعة على وجه العموم, فكان من آثار ذلك ما وقع فيه بعض الطلبة المبتدئين ممن لا يعرفوا حقيقة المصطلحات من الخلط الكبير بين أحكام الرافضة وأحكام الشيعة, لما تقرر عندهم إطلاق مصطلح التشيع على الرافضة, فظنوا أن ما ورد في كلام أهل العلم المتقدمين في حق الشيعة أنه يتنزل على الرافضة في حين أن أهل العلم يفرقون بينهما في كافة أحكامهم( ), وعليه فإن من الواجب أن يسمى هؤلاء الروافض بمسماهم الحقيقي الذي اصطلح عليه أهل العلم وعدم تسميتهم بالشيعة على وجه الإطلاق, لما في ذلك من اللبس والإيهام, وإذا ما أطلق عليهم مصطلح «التشيع», فينبغي أن يقيد بما يدل عليهم خاصة, كأن يقال «الشيعة الإمامية», أو «الشيعة الاثنى عشرية» على ما جرت بذلك عادة العلماء عند ذكرهم( ), والله تعالى أعلم.

ثانيًا: نشأة الشيعة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم
أول ما دعا إلى أصول عقائد الشيعة الرافضة التي انبنت عليها عقائدهم الأخرى: رجل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ من يهود اليمن, أسلم في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه, وأخذ يتنقل بين أمصار المسلمين للدعوة لهذا المعتقد الفاسد, وهذا نص ما ذكره الطبري في تاريخه قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمن عثمان, ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز, ثم البصرة, ثم الكوفة, ثم الشام, فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام, فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم, فقال لهم فيما يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع, ويكذب بأن محمدًا يرجع وقد قال الله: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" [القصص:85], فمحمد أحق بالرجوع من عيسى, قال: قبل ذلك عنه, ووضح لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي, وكان علي وصي محمد, ثم قال: محمد خاتم الأنبياء, وعلي خاتم الأوصياء, ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة, ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق, وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه, وابدؤوا الطعن على أمرائكم, وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر, فبث دعاته وكاتب من كان استفسده في الأمصار وكاتبوه, ودعوه في السر إلى ما عليه رأيهم( ).
وهكذا كانت بداية الرفض, وما زالت تلك العقائد التي دعا إليها ابن سبأ تسير في نفوس أناس من أهل الزيغ والضلال, وتتشربها قلوبهم وعقولهم حتى كان من ثمارها مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد هذه الشرذمة الفاسدة, حتى إذا ما جاء عهد ابن أبي طالب بدأت تلك العقائد تظهر إلى الوجود أكثر من ذي قبل, إلى أن بلغت عليًا رضي الله عنه فأنكرها أشد ما يكون الإنكار وتبرأ منها ومن أهلها, ومما صح في ذلك عن علي رضي الله عنه ما رواه ابن عساكر عن عمار الدهني قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن لجبة أتى به ملببه يعني –ابن السوداء- وعليّ على المنبر, فقال علي: ما شأنه؟, فقال: يكذب على الله ورسوله( ), وعن يزيد بن وهب عن علي قال: مالي ولهذا الحميت( ) الأسود( ). ومن طريق يزيد بن وهب أيضًا عن سلمة عن شعبة قال علي بن أبي طالب: مالي ولهذا الحميت الأسود –يعني عبد الله بن سبأ- وكان يقع في أبي بكر وعمر( ), وهذه الروايات ثابتة عن علي رضي الله عنه بأسانيد صحيحة( ), وحكى المؤرخون وأصحاب الفرق والمقالات أن ابن سبأ ادعى الربوبية في علي –رضي الله عنه- فأحرقه علي هو وأصحابه بالنار( ), يقول الجرجاني: السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ وكان أول من كفر من الرافضة, وقال: علي رب العالمين, فأحرقه علي وأصحابه بالنار( ). ويقول الملطي في معرض حديثه عن السبئية: هم أصحاب عبد الله بن سبأ. قالوا لعلي رضي الله عنه: أنت. قال: ومن أنا؟, قالوا: الخالق الباري, فاستتابهم فلم يرجعوا, فأوقد لهم نارًا ضخمة وأحرقهم وقال مرتجزًا:
لما رأيت الأمــر أمــرًا منكــرًا أججـت نـــاري ودعــوت قنـــــبرًا( )
وذهب بعض المؤرخين إلى أن عليًا رضي الله عنه لم يحرق ابن سبأ وإنما نفاه إلى المدائن, ثم ادعى بعد موت علي رضي الله عنه أن عليًا لم يمت, وقال لمن نعاه: لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدقنا موته( ), ولعل القول الأول هو الصحيح ويشهد له ما جاء في صحيح البخاري, عن عكرمة قال: أتى علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»( ), قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث بعد أن ذكر بعض الروايات في هؤلاء المحرقين وفيها: أنهم ناس كانوا يعبدون الأصنام, وفي بعضها أنهم قوم ارتدوا عن الإسلام, وعلى اختلاف بين الروايات في تعيينهم قال بعد ذلك: وزعم أبو المظفر الإسفراييني في «الملل والنحل» أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبئية, وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًا أظهر الإسلام, وابتدع هذه المقالة, وهذا يمكن أن يكون أصله: ما رويناه من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري قال: قيل لعلي: إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم, فدعاهم وقال: ويلكم ما تقولون؟, قالوا: أنت ربنا خالقنا ورازقنا( ), ثم ساق بقية الرواية وفيها أن عليًا رضي الله عنه استتابهم ثلاثًا فلم يرجعوا, فحرقهم بالنار في أخاديد قد حفرت لهم, وقال:
لما رأيت الأمــــر أمــرًا منكــرًا أججـت نـــاري ودعــوت قنـــــبرًا
قال ابن حجر: وهذا سند حسن( ), والمقصود هنا هو ظهور عقائد الشيعة الرافضة المتمثلة في الغلو في علي رضي الله عنه في تلك الفترة الزمنية, وإمعان علي رضي الله عنه في عقوبتهم حتى قال ابن عباس ما قال, كما ثبت إنكار علي رضي الله عنه لكل العقائد الأخرى التي ظهرت في عهده, وانتظمت في سلك التشيع له كتفضيله على عامة الصحابة وتقديمه على الشيخين, وكان انتشار سب الصحابة والإزراء عليهم بين أولئك الضلال, قال ابن تيميه رحمه الله: ولما أحدثت البدع الشيعة في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ردها وكانت ثلاث طوائف: غالية, وسبابة, ومفضلة, فأما الغالية, فإنه حرقهم بالنار, فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له أقوام فقال: ما هذا؟, فقالوا: أنت هو الله. فاستتابهم ثلاثة فلم يرجعوا, فأمر في الثالث بأخاديد وأضرم فيها النار, ثم قذفهم فيها.. وأما السبابة: فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله, فهرب منه إلى قرقيسيا وكلم فيه, وكان علي يداري أمراءه, لأنه لم يكن متمكنًا ولم يكن يطيعونه في كل ما يأمرهم به, وأما المفضلة: فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين: فقال وروى عنه من أكثر من ثمانين وجهًا أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر( ), وعلى كل حال فعقائد الرافضة مع ظهورها في عهد علي رضي الله عنه قد بقيت محصورة في أفراد لا تمثلها طائفة أو فرقة, حتى انقضى عهد علي رضي الله عنه وهي على تلك الحال.
وقد أفرد الدكتور سعدي الهاشمي عقيدة ابن سبأ والبدع التي نادى بها في رسالته «ابن سبأ حقيقة لا خيال», وذكرها في كتابه «الرواة الذين تأثروا بابن سبأ». وأهم البدع التي نادى بها ابن سبأ, القول بالوصية, وهو أول من قال بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي, وأنه خليفته على أمته من بعده بالنص, وأول من أظهر البراءة من أعداء علي رضي الله عنه بزعمه, وكاشف مخالفيه, وحكم بكفرهم, وأول من قال بإلهية علي رضي الله عنه وربوبيته, وكان أول من ادعى النبوة من فرق الشيعة الغلاة, وكان أول من أحدث القول برجعة علي رضي الله عنه إلى الدنيا بعد موته وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأول من ادعى أن عليًا رضي الله عنه هو دابة الأرض, وأنه هو الذي خلق الخلق وبسط الرزق, وقالت السبئية: إنهم لا يموتون, وإنما يطيرون بعد مماتهم وسموا بالطيارة, وقال قوم منهم –السبئية- بانتقال روح القدس في الأئمة, وقالوا: بتناسخ الأرواح, وقالت السبئية: هُدينا لوحي ضل عنه الناس, وعلم خفي عنهم, وقالوا: إن عليًا في السحاب, وإن الرعد صوته, والبرق سوطه. هذه أبرز البدع التي كان يعتقد بها ابن سبأ وأتباعه وصاروا بها من الغلاة( ).
إن فرق الشيعة الرافضة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة, بل إنها أخذت طورًا زمنيًا, ومرت بمراحل, ولكن طلائع العقيدة الشيعية الرافضية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي, وأن عليًا وصي محمد –كما مر- وهذه عقيدة النص على علي بالإمامة, وهي أساس التشيع الرافضي –كما يراه شيوخ الروافض- ومن ذلك ما جاء في الكافي عن أبي الحسن قال: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء, ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووصية علي عليه السلام( ), وشهدت كتب الشيعة الروافض –كما سيأتي تفصيله بإذن الله- بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرحامه وخلفائه, وأقرب الناس إليه رضي الله عنهم والطعن في الصحابة الآخرين, وهذه عقيدة الشيعة الروافض في الصحابة, كما هي في كتبهم المعتمدة, كما أن ابن سبأ قال برجعة علي( ), والرجعة من أصول الشيعة الروافض –كما سيأتي بإذن الله-, كما أن ابن سبأ قال بتخصيص علي وأهل البيت بعلوم سرية خاصة, كما أشار إلى ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية( ) في رسالة الإرجاء( ), وهذه المسألة أصحبت من أصول الاعتقاد عند الشيعة, وقد ثبت في صحيح البخاري ما يدل على أن هذه العقيدة ظهرت في وقت مبكر, وأن عليًا رضي الله عنه سئل عنها, وقيل له: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن, أو مما ليس عند الناس؟, فنفى ذلك نفيًا قاطعًا( ).
هذه من أهم الأصول التي تدين بها الشيعة الرافضة( ), وقد وُجدت إثر مقتل عثمان رضي الله عنه وفي عهد علي رضي الله عنه ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة معروفة, بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي رضي الله عنه, كما مر معنا, ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوًا صالحًا لظهور هذه العقائد, وتمثلها في جماعة كمعركة صفين, وحادثة التحكيم التي أعقبتها, ومقتل علي, ومقتل الحسن.
كل هذه الأحداث دفعت القلوب والعواطف إلى التشيع لآل البيت, فتسلل الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته, وصار التشيع وسيلة لكل من أراد هدم الإسلام من ملحد ومنافق وطاغوت, ودخلت إلى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع وتيسر دخولها تحت غطائه, وبمرور الأيام كانت تتسع البدعة ويتعاظم خطرها, حيث وُجد لابن سبأ خلفاء كثيرون, ولم يكن استعمال لقب الشيعة في عهد علي رضي الله عنه إلا بمعنى الموالاة والنصرة, ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة الرافضة اليوم( ).
إن التشيع لآل البيت وحبهم أمر طبيعي, وهو حب لا يفرق بين الآل, ولا يغلو فيهم, ولا ينتقص أحدًا من الصحابة, كما تفعل الفرق المنتسبة للتشيع, وقد نما الحب وزاد للآل بعدما جرى عليهم من المحن والآلام, بدءًا من مقتل علي ثم الحسين... إلخ, هذه الأحداث فجرت عواطف المسلمين, فدخل الحاقدون من هذا الباب, ذلك أن آراء ابن سبأ لم تجد الجو الملائم؛ لتنمو وتنتشر إلا بعد تلك الأحداث... لكن التشيع بمعنى عقيدة النص على عليّ رضي الله عنه, والرجعة, والبداء, والغيبة, وعصمة الأئمة... إلخ, فلا شك أنها عقائد ما أنزل الله بها من سلطان, ودخيلة على المسلمين –ترجع أصولها لعناصر مختلفة-, ذلك أنه قد ركب مطية التشيع كل من أراد الكيد للإسلام وأهله, وكل من احتال ليعيش في ظل عقيدته السابقة باسم الإسلام, من يهودي, ونصراني, ومجوسي, وغيرهم, فدخل في التشيع كثير من العقائد الفاسدة, كما سيتبين ذلك عند دراسة أصول عقائدهم. ولهذا ذهب ابن تيميه –رحمه الله- إلى أن المنتسبين للتشيع قد أخذوا من مذاهب الفرس, والروم, واليونان, والنصارى, واليهود, وغيرهم أمورًا مزجوها بالتشيع, ويقول: وهذا تصديق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم, وساق بعض الأحاديث الواردة في أن هذه الأمة ستركب سُنن من قبلها..., وقال بأن هذا صار في المنتسبين للتشيع( ).

ثالثًا: المراحل التي مرت بها الشيعة الرافضة
مرّت الشيعة الرافضة في نشأتها بعدة مراحل, حتى أصبحت فرقة مستقلة متميزة بعقيدتها واسمها عن سائر فرق الأمة ويمكن إبراز ذلك من خلال أربع مراحل رئيسية:
- المرحلة الأولى: دعوة عبد الله بن سبأ إلى ما دعا إليه من الأصول التي انبنت عليها عقيدة الرافضة, كدعوته لعقيدة الرجعة, وإحداثه القول بالوصية لعلي رضي الله عنه, والطعن في الخلفاء السابقين لعلي في الخلافة, وقد ساعد ابن سبأ في ترويج فكره الضال البعيد عن روح الإسلام أمران:
أ- اختيار ابن سبأ البيئة المناسبة لدعوته: حيث بث دعوته في بلدان مصر, والعراق, بعد أن أكثر التنقل بين هذه الأمصار, كما مر في كلام الطبري( ), فنشأت هذه الدعوة في مجتمعات لم تتمكن من فهم الإسلام الفهم الصحيح, وتترسّخ أقدامها في العلم الشرعي والفقه بدين الله تعالى, وذلك لقرب عهدها بالإسلام, فإن تلك الأمصار إنما فتحت في عهد عمر رضي الله عنه, هذا بالإضافة إلى بعدها عن مجتمع الصحابة في الحجاز وعدم التفقه والتتلمذ والتربية على أيديهم.
ب- أن ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات, فإنه زيادة في المكر والخديعة, أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية, فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد, وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس, وأصحاب الأغراض الخبيثة, ممن لم يدخلوا الإسلام إلا كيدًا لأهله بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم, ومزقت ممالكهم, وقد تقدم كلام الطبري السابق عن ابن سبأ: فبث دعاته, وكاتب من كان استفسده في الأمصار, وكاتبوه, ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم( ), يقول في سياق وصفهم: وأوسعوا في الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون( ).
- المرحلة الثانية: إظهار هذا المعتقد والتصريح به, وذلك بعد مقتل عثمان رضي الله عنه, وانشغال الصحابة رضوان الله عليهم بإخماد الفتنة التي حصلت بمقتله, فوجد هؤلاء الضلال متنفسًا في تلك الظروف, وقويت تلك العقائد الفاسدة في نفوسهم, إلا أنه مع كل ذلك بقيت هذه العقائد محصورة في طائفة مخصوصة, ممن أضلهم ابن سبأ, وليست لهم شوكة ولا كلمة مسموعة عند أحد سوى من ابتلي بمصيبتهم في مقتل عثمان رضي الله عنه, وشاركهم في دمه من الخوارج المارقين, ومما يدل على ذلك ما نقله الطبري: وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم( ). وهذا القول لا يقوله صاحب شوكة ومنعة, ومع هذا فإنه لا ينكر دور هؤلاء السبئية وقتلة عثمان في إشعال نار الحرب بين الصحابة, بل ذلك مقرر عند أهل التحقيق للفتنة وأحداثها, يقول ابن حزم مقررًا ذلك: وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا, فلما كان الليل عرف قتلة عثمان الإراعة والتدبير عليهم, فبيتوا عسكر طلحة والزبير, وبذلوا السيوف فيهم, فدفع القوم عن أنفسهم( ).
- المرحلة الثالثة: اشتداد أمرهم وقوتهم واجتماعهم تحت قيادة واحدة وذلك بعد مقتل الحسين رضي الله عنه للأخذ بثأر الحسين والانتقام له من أعدائه, يقول الطبري في حوادث سنة أربع وستين للهجرة: وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة, وأعدوا الاجتماع بالنخيلة سنة خمس وستين للمسير لأهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي, وتكاتبوا في ذلك( ) وكان مبدأ أمرهم ما ذكره الطبري من رواية عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي أنه قال: لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة, فدخل الكوفة, تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم, ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرًا بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته, وقتله إلى جانبهم دون أن ينصروه, ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله, أو القتل فيه, ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة: إلى سليمان بن صُرد الخزاعي, وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم, وإلى المسيب بن نجية الفزاري, وكان من أصحاب علي وخيارهم, وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي, وإلى عبد الله بن وائل التيمي, وإلى رفاعة بن شداد البجلي, ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سلميان بن صُرد وكانوا من خيار أصحاب علي, ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم( ), وكان هذا الاجتماع عامًا يشمل كافة الشيعة, وقد اجتمع إلى سليمان بن صرد نحواً من سبعة عشر ألفًا, ثم لم تعجب سليمان قلتهم, فأرسل حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة, وخرج الناس معهم فكانوا قريبًا من عشرين ألفًا( ), ثم إنه في هذه الأثناء قدم المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى الكوفة فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد وعظموه تعظيمًا زائدًا, وهم معدون للحرب, فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي محمد بن علي بن أبي طالب وهو محمد ابن الحنفية, ولقبه بالمهدي فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة, وفارقوا سليمان بن صرد, وصارت الشيعة فرقتين, الجمهور منهم مع سليمان, يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين, وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد ابن الحنفية, وذلك عن غير أمر ابن الحنفية, وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به, وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة( ), فكان هذا بداية اجتماع الشيعة, ثم يذكر المؤرخون خروج سليمان بن صرد بمن كان معه من الشيعة إلى الشام, فالتقوا مع أهل الشام عند عين تسمى عين الوردة واقتتلوا قتالاً عظيمًا لمدة ثلاثة أيام, يقول ابن كثير: لم ير الشيب والمرد مثله لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل( ), ثم انتهى القتال بينهم بقتل سليمان بن صرد رحمه الله وكثير من أصحابه, وهزيمتهم, وعودة من بقى من أصحابه إلى الكوفة( ), وأما المختار بن أبي عبيد الثقفي فلما رجع من بقى من جيش سليمان إلى الكوفة وأخبروه بما كان من أمرهم, وما حل بهم فترحم على سليمان ومن كان قتل معه, وقال: وبعد, فأنا الأمير المأمون قاتل الجبارين والمفسدين, إن شاء الله, فأعدوا واستعدوا وأبشروا( ), يقول ابن كثير: وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن وحيه الذي كان يأتي إليه من الشيطان, فإنه قد كان يأتي شيطان فيوحي إليه قريبًا مما كان يوحي شيطان مسيلمة له( ), ثم إن المختار بعث الأمر إلى النواحي والبلدان, والرساتيق من أرض العراق وخراسان وعقد الألوية والرايات.. ثم شرع المختار بتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله( ).
- المرحلة الرابعة: انشقاق الشيعة الرافضة عن الزيديّة, وباقي فرق الشيعة, وتميزها بمسماها وعقيدتها, وكان ذلك على وجه التحديد في سنة إحدى وعشرين ومائة عندما خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك( ), فأظهر بعض من كان في جيشه من الشيعة الطعن على أبي بكر وعمر فمنعهم من ذلك, وأنكر عليهم فرفضوه, فسموا بالرافضة, وسميت الطائفة الباقية معه بالزيديّة( ), يقول ابن تيميه رحمه الله: إن أول ما عرف لفظ الرافضة في الإسلام, عند خروج زيد بن علي في أوائل المائة الثانية, فسئل عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتولاهما, فرفضه قوم فسموا رافضة( ), وقال: ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيديّة, فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني, فسموا رافضة لرفضهم إياه, وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًًّا لانتسابهم إليه( ), ومنذ ذلك التاريخ تميزت الرافضة عن باقي فرق الشيعة, فأصبحت فرقة مستقلة باسمها ومعتقدها( ), والله تعالى أعلم.
هذا وقد تحدث علماء الفرق عن الفرق المنسوبة للشيعة, فذكروا منها: السبئية, والغرابية, والبياتية, والمغيرية, والهاشمية, والخطابية, والعلبائية, والكيسانية, والزيديّة الجارودية, والسليمانية, والصالحية, والبترية, وبعض هذه الفرق غالت غلوًا عظيمًا, والبعض الآخر أقل غلوًا, ومن أراد الاستزادة فليراجع مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري, والملل والنحل للشهرستاني, والفرق بين الفرق لأبي الظاهر البغدادي, وفرق معاصرة للدكتور غالب بن علي عواجي وهو من أفضل من اطلعت عليه من المعاصرين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: لشيعة الإثنا عشرية الإمامية 2   الجمعة أبريل 22, 2011 2:37 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية 2

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة الرافضة وما ينبني عليها

أولا – الإمامة

يعتقد الشيعة الرافضة الإثنا عشرية أن الإمامة ركن عظيم من أركان الإسلام, وأصل أصيل من أصول الإيمان, لا يتم إيمان المرء إلا باعتقادها, ولا يقبل منه عمل إلا بتحقيقها, وأول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة الرافضة هو ابن سبأ, الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي صلى الله عليه وسلم ومحصورة بالوصي, وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره, فقد اعترفت كتب الشيعة بأن ابن سبأ كان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي, وأظهر البراءة من أعدائه, وكاشف مخالفيه, وكفرهم([1]), لأنه كان يهودي الأصل, يرى أن يوشع بن نون وصي موسى, فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي ابن أبي طالب([2]), وهذا ما تعارف عليه شيوخ الشيعة الرافضة, فابن بابويه القمّي يسجل عقائد الشيعة في القرن الرابع ويقول بأنهم يعتقدون بأن لكل نبي وصيًا أوصى إليه بأمر الله تعالى([3]), ويذكر أن عدد الأوصياء مائة ألف وصي, وأربعة وعشرون ألف وصي([4]), كما ذكر المجلسي في أخباره: أن عليًا هو آخر الأوصياء([5]), وجاء في بعض عناوين الأبواب في الكافي باب أن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود من واحد إلى واحد([6]), وباب ما نص الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمة واحدًا فواحدًا([7]), وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك.
ولهذا قال شيخهم مقداد الحلي –ت821هـ-: بأن مستحق الإمامة عندهم لابد أن يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله لا أي شخص اتفق([8]), ويقرر محمد حسين آل كاشف الغطاء أحد مراجع الشيعة الاثنى عشرية في هذا العصر: أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة, فكما أن الله سبحانه يختار ما يشاء من عباده للنبوة والرسالة ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه, وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده([9). فأنت ترى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النبوة, فكما يصطفي الله سبحانه من خلقه أنبياء, يختار سبحانه أئمة, وينص عليهم, ويعلم الخلق بهم, ويقيم بهم الحجة, ويؤيدهم بالمعجزات, وينزل عليهم الكتب, ويوحي إليهم, ولا يقولون أو يفعلون إلا بأمر الله ووحيه.. أي أن الإمامة هي النبوة, والإمام هو النبي, والتغيير في الاسم فقط, ولذلك قال المجلسي: إن استنباط الفرق بن النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال([10]), ثم قال: ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الإنبياء, ولا يصل عقولنا فرق بين النبوة والإمامة([11]), هذا قولهم في مفهوم الإمامة, ويكفي في نقده أنه لا سند لهم فيه إلا ابن سبأ اليهودي([12).

أولاً: منزلة الإمامة عندهم وحكم من جحدها:
مسألة الإمامة عند أهل السُنَّة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها, كما قرره جمع من أهل العلم([13]), ولكنها عند الشيعة الرافضة لها شأن آخر, ففي الكافي روايات تجعل الإمامة أعظم أركان الإسلام, فقد روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية, ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية, فأخذ الناس بأربع وتركوا هذا –يعني الولاية-([14).
فأنت ترى أنهم أسقطوا الشهادتين من أركان الإسلام, ووضعوا مكانهما الولاية, وعدوها من أعظم الأركان, كما يدل عليه قولهم: ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية, وكما يدل عليه حديثهم الآخر, وقد ذكر فيه نص الرواية السابقة وزاد: قلت «الراوي»: وأي شيء من ذلك أفضل؟, فقال: الولاية أفضل([15).
ويقول المجلسي: ولا ريب في أن الولاية والاعتقاد بإمامة الأئمة عليهم السلام والإذعان لهم من جملة أصول الدين, وأفضل من جميع الأعمال البدنية لأنها مفتاحهن([16).
ويقول المظفر –وهو من علمائهم المعاصرين-: نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين, ولا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها, ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين, مهما عظموا, بل يجب النظر فيها, كما يجب النظر في التوحيد والنبوة([17]), بل وصلت الأخبار إلى أكثر من هذا حينما قالت: أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالولاية لعلي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض([18).
هذه الروايات الشيعية الرافضية, ومثيلاتها في كتب الشيعة الروافض كانت كفيلة بأن تجعل الإمامة هي الحكم على إيمان الرجل أو كفره, وأن تجعل المسلم معرضًا للاتهام بالكفر لمجرد اختلافه مع الشيعة الإمامية في عقيدة الإمامة التي يعتقدونها, ولذا رأينا بعض كبار علماء الشيعة الإمامية السابقين واللاحقين يصرحون بهذه الحقيقة المرة.
يقول ابن بابويه القمّي في رسالته الاعتقادات: واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء, واعتقادنا فيما أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقرّ بجميع الأنبياء, وأنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ([19).
ويقول يوسف البحراني في موسوعته الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله, وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين([20).
ويقول المجلسي: اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفضل عليهم غيرهم, يدل أنهم مخلدون في النار([21).
وقال ابن المطهر الحلي: الإمامة لطف عام, والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام, وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص([22).
فهو يجعل من لم يؤمن بأئمتهم أشد كفرًا من اليهود والنصارى, وقد بنى على ذلك أن الزمن لا يخلو من إمام, وهو إشارة إلى عقيدتهم بالإيمان بوجود إمامهم المنتظر الغائب, والذي أنكره طوائف من الشيعة, وقرر المحققون من علماء النسب والتاريخ أنه لم يولد أصلاً, ولكن شيخ الشيعة الرافضة يرى أن إنكاره أعظم من الكفر([23]), وينقل شيخهم المفيد اتفاقهم على هذا المذهب في تكفير أمة الإسلام فيقول: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة, فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار([24]), وبلغ الأمر بشيخهم نعمة الله الجزائري أن يعلن انفصال الشيعة عن المسلمين بسبب قضية الإمامة فيقول: لم تجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام, وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه, وخليفته بعده أبو بكر, ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي, بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا([25).
إن الإمامة صنو النبوة أو أعظم, وهي أصل الدين وقاعدته الأساسية عندهم, لهذا جاء حكم الشيعة الاثنى عشرية على من أنكر إمامة واحد من أئمتهم الاثنى عشر مكملاً لهذا الغلو, حيث حكموا عليه بالكفر والخلود في النار, وخصصوا باللعن والحكم بالردة جميع فئات المسلمين ما عدا الاثنى عشرية, فتناول تكفيرهم:
- الصحابة رضوان الله عليهم: كتب الشيعة الرافضة مليئة باللعن والتكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه, من المهاجرين والأنصار, وأهل بدر وبيعة الرضوان, وسائر الصحابة أجمعين, ولا تستثني منهم إلا النزر اليسير الذي لا يبلغ عدد أصابع اليد, وأصبحت هذه المسألة بعد ظهور كتبهم وانتشارها من الأمور التي لا تحجب بالتقية([26]), كما أن من أهل العلم وأصحاب المقالات من اطلع على هذا الأمر عند الشيعة الإمامية, قال القاضي عبد الجبار: وأما الإمامية فقد ذهبت إلى أن الطريق إلى إمامة الاثنى عشر النص الجلي, الذي يكفر من أنكره, ويجب تكفيره, فكفروا لذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ([27]), وقريب من هذا المعنى قال عبد القاهر البغدادي: وأما الإمامية فقد زعم أكثرهم([28]) أن الصحابة ارتدت بعد النبي صلى الله عليه وسلم سوى علي وابنيه مقدار ثلاثة عشر منهم([29]), ويقول ابن تيميه رحمه الله: إن الرافضة تقول: إن المهاجرين والأنصار كتموا النص, فكفروا إلا نفرًا قليلاً.. إما بضعة عشر أو أكثر, ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين, وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا, وتقول كتب الاثنى عشرية: إن الصحابة بسبب توليتهم لأبي بكر قد ارتدوا إلا ثلاثة, وتزيد بعض رواياتهم ثلاثة أو أربعة آخرين إلى إمامة علي, ليصبح المجموع سبعة, ولا يزيدون عن ذلك, ولقد تداولت الشيعة أنباء هذا الأسطورة في المعتمد من كتبها, فسجلوا ذلك في أول كتاب ظهر لهم وهو كتاب سليم بن قيس([30]), ثم تتابعت كتبهم في تقرير ذلك وإشاعته وعلى رأسها الكافي أوثق كتبهم الأربعة, ورجال الكشي([31]), عمدتهم في كتب الرجال وغيرها من مصادرهم([32]), وسيأتي الحديث عن موقف الشيعة الرافضة من الصحابة مفصلاً بإذن الله تعالى.


- تكفيرهم أهل البيت:

إن الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد, ولا تستثني منهم جميعًا إلا سبعة في أكثر تقديراته, ولا تذكر من ضمن هؤلاء السبعة أحدًا من أهل بيت رسول الله باستثناء بعض روايات عندهم جاء فيها استثناء علي فقط, وهي رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر, قال: صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: عليًا, والمقداد, وسلمان, وأبا ذر, فقلت: فعمار؟, فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة([33). فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة, وأهل البيت النبوي من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته, مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهل هذا إلا دليل واضح على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله, وأن واضعي هذه الروايات أعداء للصحابة وللقرابة([34]), وقد خصت الشيعة الرافضة بالطعن والتكفير جملة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, كعم النبي العباس, حتى قالوا بأنه نزل فيه قوله سبحانه: "وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً" [الإسراء:72], وكابنه عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن الذي خصصوه باللعن وبأنه سخيف العقل([35]), كما جاء في الكافي, وفي رجال الكشي: الهم العن ابني فلان واعم أبصارهما, كما عميت قلوبهما, واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما([36). وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال: هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس([37]), وبنات النبي صلى الله عليه وسلم يشملهن سخط الشيعة الاثنى عشرية وحنقهم, فلا يذكرون فيمن استثنى من التكفير, بل ونفى بعضهم أن يكن بنات للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا فاطمة رضي الله عنهن([38]), فهل يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول فيه وفي بناته هذا القول([39])؟, وقد نص صاحب الكافي في رواياته على أن كل من لم يؤمن بالاثنى عشرية فهو كافر, وإن كان علويًا فاطميًا([40]), وهذا يشمل في الحقيقة التكفير لجيل الصحابة ومن بعدهم بما فيه الآل والأصحاب؛ لأنهم لم يعرفوا فكرة الاثنى عشر التي لم توجد إلا بعد سنة 260هـ, كما باؤوا بتكفير أمهات المؤمنين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ لم يستثنوا واحدة منهن في نصوصهم, ولكنهم يخصون منهم عائشة([41]) وحفصة رضي الله عنهما, بالذم واللعن والتكفير([42]), وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا بعنوان «باب أحوال عائشة وحفصة» ذكر فيه 17رواية([43]), وأحال في بقية الروايات إلى أبواب أخرى([44]), وقد آذوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته أبلغ الإيذاء, حتى اتهموا في أخبارهم من برأها الله من فوق سبع سماوات, عائشة بنت الصديق بالفاحشة, فقد جاء في أصل أصول التفاسير عندهم, تفسير القمي([45]), قذف شنيع متضمن تكذيب القرآن العظيم, قال ابن كثير –رحمه الله- في تفسير سورة النور: أجمع أهل العلم –رحمهم الله- قاطبة على أن من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية, فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن([46]), وقال القرطبي: فكل من سبها مما برأها الله منه مكذب لله, ومن كذب الله فهو كافر([47).


- تكفيرهم خلفاء المسلمين وحكوماتهم: في دين الشيعة الرافضة الإمامية أن كل حكومة غير حكومة الإمامية الرافضية باطلة, وصاحبها ظالم طاغوت يعبد من دون الله, ومن يبايعه فإنما يعبد غير الله, وقد أثبت الكليني هذا المعنى في عدة أبواب مثل: باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم, ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل, وذكر فيه اثنى عشر حديثًا عن أئمتهم([48]), وباب فيمن دان لله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله, وفيه خمسة أحاديث([49]), وكل خلفاء المسلمين ما عدا عليًا والحسن, طواغيت –حسب اعتقادهم- وإن كانوا يدعون إلى الحق, ويُحسنون لأهل البيت, ويقيمون دين الله, ذلك أنهم يقولون: كل راية ترفع قبل راية القائم([50]) صاحبها طاغوت ([51]), قال شارح الكافي: وإن كان رافعها يدعو إلى الحق([52]), وحكم المجلسي على هذه الرواية بالصحة([53]), حسب مقاييسهم([54).


- الحكم على الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر: جاء في أخبارهم تخصيص كثير من بلاد المسلمين بالسب, وتكفير أهلها على وجه التعيين, ويخصون منها غالبًا ما كان أكثر التزامًا بالإسلام واتباعًا للسنة, فقد صرحوا بكفر أهالي مكة والمدينة في القرون المفضلة, ففي عصر جعفر الصادق كانوا يقولون عن أهل مكة والمدينة: أهل الشام شر من أهل الروم «يعني شر من النصارى», وأهل المدينة شر من أهل مكة, وأهل مكة يكفرون بالله جهرة([55]), وقالوا: إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة, وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة, أخبث منهم سبعين ضعفًا([56]), ومن المعلوم أن أهل المدينة كانوا –ولاسيما في القرون المفضلة- يتأسون بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار, وقد ظل أهل المدينة متمسكين بمذهبهم المالكي منتسبين إليه إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك, فإنه قدم إليهم من رافضة المشرق من أفسد مذهب كثير منهم([57]), وقالوا أيضًا عن مصر وأهلها: أبناء مصر لعنوا على لسان داود عليه السلام, فجعل الله منهم القردة والخنازير([58]), وما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر, ولا رضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها([59]), وقالوا: بئس البلاد مصر, أما إنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل([60]), وقالوا: انتحوا مصر ولا تطلبوا المكث فيها لأنه يورث الدياثة([61).
وجاءت عندهم عدة روايات في ذم مصر, وهجاء أهلها, والتحذير من سكناها, ونسبوا هذه الروايات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإلى محمد الباقر, وإلى علي الباقر, وهذا رأي الروافض في مصر في تلك العصور الإسلامية الزاهرة, وقد عقب المجلسي على هذه النصوص بقوله بأن مصر صارت من شر البلاد في تلك الأزمنة, لأن أهلها صاروا من أشقى الناس وأكفرهم([62). ولا يبعد أن هذه النصوص هي تعبير عن حقد الرافضة وغيظهم على مصر وأهلها, بسبب سقوط دولة إخوانهم الإسماعيليين العبيديين على يد صلاح الدين, الذي طهر أرض الكنانة من دنسهم ورجسهم, وأين هذه الكلمات المظلمة في مصر وأهلها من الباب الذي عقده مسلم في صحيحه «باب وصية النبي بأهل مصر»([63]), وجاء عندهم ذم كثير من بلدان الإسلام وأهلها([64]), ولم يستثن من ديار المسلمين إلا من يقول بمذهبهم, وهي قليلة في تلك الأزمان, حتى جاء عنهم: إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار, فلم يقبلها إلا أهل الكوفة([65).


- قضاة المسلمين: تعد أخبارهم قضاة المسلمين طواغيت لارتباطهم بالإمامة الباطلة بزعمهم, فقد جاء في الكافي عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام, عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث, فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاء أيحل ذلك؟, قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت, وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا, وإن كان حقًا ثابتًا له, لأنه أخذ بحكم الطاغوت, وقد أمر الله أن يكفر به([66]), قال تعالى: "يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ" [النساء:60], وهذه الرواية تحكم على القضاء والقضاة في عصر جعفر الصادق, كما يظهر من إسنادهم للرواية إلى جعفر, فإذا كان هذا نظرهم في قضاة المسلمين في القرون المفضلة, فما بالك
فيمن بعدهم([67])؟.


- أئمة المسلمين وعلماؤهم: حذروا من التلقي عن الشيوخ المسلمين وعلمائهم وعدوهم كملل أهل الشرك, عن هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نأتي هؤلاء المخالفين([68]), فنسمع منهم الحديث يكون حجة لنا عليهم؟ قال: لا تأتهم ولا تسمع منهم, لعنهم الله ولعن مللهم المشركة([69]), وجاء في الكافي عن سدير عن أبي جعفر قال:.. يا سدير فأريك الصادّين عن دين الله, ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد, فقال: هؤلاء الصادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين, إن هؤلاء الأخباث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس, فلم يجدوا أحدًا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى
وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ([70).
وقد بين ابن تيميه رحمه الله موقفهم من سلف الأمة وأئمتها والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان, الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه, وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين؛ فيكفّرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة, أو ترضَّى عنهم كما رضي الله عنهم, أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم, ولهذا يكفرون أعلام الملة, مثل سعيد بن المسيب, وأبي مسلم الخولاني, وأويس القرني, وعطاء بن أبي رباح, وإبراهيم النخعي, ومثل مالك, والأوزاعي, وأبي حنيفة, وحماد بن زيد, وحماد بن سلمة, والثوري, والشافعي, وأحمد بن حنبل, وفضيل بن عياض, وأبي سليمان الداراني, ومعروف الكرخي, والجنيد بن محمد, وسهل بن عبد الله التستري, وغير هؤلاء, ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى, لأن أولئك عندهم كفار أصليون, وهؤلاء مرتدون, وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي إلى أن قال: وأكثر محققيهم –عندهم- يرون أبا بكر وعمر وأكثر المهاجرين والأنصار, وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل عائشة, وحفصة, وسائر أئمة المسلمين وعامّتهم ما آمنوا بالله طرفة عين قط, لأن الإيمان الذي يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلاً من أصله, ومنهم من يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم, لأن وطء الكوافر حرام عندهم([71).
هذا التكفير العام الشامل الذي لم ينج منه أحد, هل يحتاج إلى نقد؟, إن بطلانه أوضح من أن يبين, وكذبه أجلى من أن يكشف, وتكفير الأمة امتداد لتكفير الصحابة, والسبب واحد لا يختلف, ومن الطبيعي أن من يحقد على صحابة رسول الله ويسبهم ويكفرهم يحقد على الأمة جميعًا ويكفرها, كما قال بعض السلف: لا يغل قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كان ما في قلبه على المسلمين أغل([72).
فإذا لم يرضى عن أبي بكر وعمر وعثمان, وأهل بدر وبيعة الرضوان, والمهاجرين والأنصار, وهم في الذروة في الفضل والإحسان, فهل يرضى بعد ذلك عن أحد بعدهم؟, ومبني هذا الموقف هو دعوى الروافض أن الصحابة رضوان الله عليهم أنكروا النص, وسيأتي بيان بطلان النص بالنقل والعقل وبالأمور المتواترة المعلومة –بإذن الله- وما بني على الباطل فهو باطل.
ولقد كان حكمهم بردة جيل الصحابة من الظواهر الواضحة على بطلان مذهب الشيعة الرافضة من أساسه([73]), ولذلك قال أحمد الكسروي الإيراني والشيعي الأصل: وأما ما قالوا من ارتداد المسلمين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان, فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم آمنوا به حين كذبه الآخرون, ودافعوا عنه واحتملوا الأذى في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟ فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجلاً أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة, أو ارتداد بضع مئات من خُلص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب([74).
إن القرآن الكريم بين فيه رب العزة أصول العقائد وحقائقها وهو التبيان لكل شيء, قال تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" [النحل:89], ويقول واصفًا كتابه بأنه لم يفرط في قضية يقوم عليها الدين بقوله: "مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ" [الأنعام:38], فإن كان الأمر كذلك فإن المرء ليتساءل عن سند هذه العقيدة, فكتاب الإسلام العظيم «القرآن الكريم» يذكر فيه مرات الصلاة والصيام, والزكاة والحج, ولا ذكر فيه لشأن الأئمة الاثنى عشرية أو الإمامة من بعد الرسول رغم كون الإمامة –كما تقول النظرية الشيعية الرافضية- أعظم أركان الدين!!, أو ليس من العجيب أن يذكر القرآن تفاصيل طريقة الوضوء, ويُصنف أنواع المحرمات من الطعام والشراب, ويتحدث عن الجهاد تارة وعن السلم تارة أخرى, ويناقش القضايا الأخلاقية ثم يتجاهل إمامة الاثنى عشر التي يصفها آل كاشف الغطاء بأنها «منصب إلهي كالنبوة», إن هذه النصوص القرآنية قد شهدت بكل وضوح بأن القرآن الكريم لم يفرط في قضية يحتاج إليها البشر, فكيف يفرط في قضية الإمامة النصية التي تذكرها الشيعة الإمامية, ثم يتركها لعلمائهم لكي يصيغوها ويحددوا معالمها, مع كون النص على الأئمة من الله لا منهم([75).

_______________________________________________________________________

([1]) رجال الكشي ص 101, المقالات والفرق للقمي, ص 20.
([2]) رجال الكشي ص 101, أصول الشيعة (2/792).
([3]), (4) عقائد الصدوق, ص 106.
([4])
([5]) بحار الأنوار (39/342).
([6]) أصول الكافي (1/227).
([7]) المصدر السابق (1/286).
([8]) النافع يوم الحشر, ص 47.
([9]) أصول الشيعة وأصولها ص 58.
([10]) بحار الأنوار (26/82).
([11]) المصدر نفسه (26/82).
([12]) أصول الشيعة الإمامية (2/794).
([13]) غاية المرام للآمدي, ص 363, الاقتصاد للغزالي, ص 134.
([14]) أصول الكافي (2/18), رقم 3.
([15]) المصدر نفسه (2/18).
([16]) مرآة العقول (7/102).
([17]) عقائد الأمامية ص102.
([18]) بحار الأنوار (23/69).
([19]) الاعتقادات, ص 103, ثم أبصرت الحقيقة, محمد الخضر, ص 127.
([20]) الحدائق الناضرة (18/153).
([21]) بحار الأنوار (23/390).
([22]) الألفين, ص 3, أصول الشيعة الإمامية (2/867).
([23]) أصول الشيعة الإمامية (2/867).
([24]) المسائل للمفيد, وقد نقل ذلك عنه المجلسي في البحار (8/366).
([25]) الأنوار النعمانية (2/279).
([26]) أصول الشيعة الإمامية (2/868).
([27]) شرح الأصول الخمسة, ص 761.
([28]) نلحظ أن عبد القاهر لا يعمم هذا المذهب على الإمامية كلها.
([29]) الفرق بين الفرق, ص 321.
([30]) كتاب سليم بن قيس, ص 74-75.
([31]) رجال الكشي ص 11،9،8،7،6.
([32]) أصول الشيعة الإمامية (2/780).
([33]) تفسير العياشي (1/199), البرهان (1/319), تفسير الصافي (1/389), أصول الشيعة الإمامية (2/891).
([34]) أصول الشيعةالإمامية (2/891).
([35]) أصول الكافي (1/247).
([36]) رجال الكشي, ص 52.
([37]) أصول الشيعة الإمامية (2/892).
([38]) كشف الغطاء لجعفر النجفي, ص 5, أصول الشيعة (2/892).
([39]) أصول الشيعة الإمامية (2/892).
([40]) أصول الكافي (1/372-374).
([41]) أصول الكافي (1/300), رجال الكشي, ص 57-60.
([42]) أصول الشيعة الإمامية (2/893).
([43]) بحار الأنوار (22/227-247).
([44]) بحار الأنوار (22/245).
([45]) تفسير القمي (2/377).
([46]) تفسير ابن كثير (3/289-290), الصارم المسلول ص 50.
([47]) تفسير القرطبي (12/206).
([48]) الكافي (1/372-374).
([49]) المصدر السابق (1/374-376).
([50]) هو: المهدي المنتظر (في زعمهم).
([51]) الكافي: بشرحه للمازندراني (12/371), بحار الأنوار (125/113), أصول الشيعة الإمامية (2/896).
([52]) أصول الشيعة الإمامية (2/896).
([53]) مرآة العقول (4/378).
([54]) أصول الشيعة الإمامية (2/896).
([55]) أصول الكافي (2/409).
([56]) المصدر السابق (2/410).
([57]) الفتاوى (20/300،299).
([58]) بحار الأنوار (60/208), تفسير القمي ص 596.
([59]) تفسير العياشي (1/304), البرهان (1/456).
([60]) تفسير العياشي (1/305), البرهان (1/457).
([61]) بحار الأنوار (60/211), أصول الشيعة (2/900).
([62]) بحار الأنوار (5/208).
([63]) مسلم (2/2970).
([64]), (7) بحار الأنوار (60/206), أصول الشيعة (2/901).
([65])
([66]) أصول الشيعة الإمامية (2/902), أصول الكافي (1/67).
([67]) أصول الشيعةالإمامية (2/901).
([68]) هذا اللقب يطلق على أهل السنة, وقد يتناول كل مخالف.
([69]) بحار الأنوار (2/216), أصول الشيعة الإمامية (2/905).
([70]) أصول الكافي (1/393،392), أصول الشيعة (2/905).
([71]) مجموع الفتاوى (28/262،261).
([72]) الإبانة لابن بطة, ص 41.
([73]) أصول الشيعة الإمامية (2/916).
([74]) التشيع والشيعة, ص 66, أصول الشيعة (2/916).
([75]) ثم أبصرت الحقيقة, محمد سالم, ص 130.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: فكر الشيعة الأمامية الاثنا عشرية (3)   الجمعة أبريل 22, 2011 2:39 pm

فكر الشيعة الأمامية الاثنا عشرية (3)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة الرافضة وما ينبني عليها




ثانيًا: العصمة عند الشيعة الرافضة (الإمامية) وبيان بطلانها




عقيدة العصمة من لوازم الدين عند الشيعة



إن عصمة الإمام عند الشيعة الرافضة الإمامية شرط من شروط الإمامة, وهي من المبادئ الأولية في كيانها العقدي ولها أهمية كبرى عندهم, ونتيجة لما أضفاه الشيعة على الأئمة من صفات وقدرات ومواهب علمية غير محدودة, ذهبوا إلى أن الإمام ليس مسئولاً أمام أحد من الناس ولا مجال للخطأ في أفعاله مهما أتى من فعال, بل يجب تصديقه والإيمان بأن كل ما يفعله هو خير لا شر فيه لأن عنده من العلم ما لا قِبل لأحد بمعرفته, ومن هنا قرر الشيعة للإمام ضمن ما قرروا .. العصمة.., فذهبوا إلى أن الأئمة معصومون في كل حياتهم لا يرتكبون صغيرة ولا كبيرة ولا تصدر عنهم أية معصية, ولا يجوز عليهم خطأ ولا نسيان([1][1]), وقد نقل الإجماع على ذلك شيخهم المفيد, فقال: إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء, وإنهم لا يجوز منهم كبيرة ولا صغيرة, وإنه لا يجوز منهم سهو في شيء من الدين ولا ينسون شيئًا من الأحكام, وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم, وتعلق بظواهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب([2][2]), وقال ابن المطهر الحلي: ذهبت الإمامية والإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصومًا وخالف فيه جميع الفرق([3][3]).



وقد نص على ذلك المجلسي بقوله: اعلم أن الإمامية رضي الله عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة عليهم السلام من الذنوب صغيرها وكبيرها, فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمدًا ولا نسيانًا ولا لخطأ في التأويل, ولا للإسهاء من الله سبحانه([4][4]).



وروى الصدوق بسنده إلى ابن عباس –كذبًا وزورًا- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين معصومون»([5][5]), وقال أيضًا في تقرير ذلك: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون مطهرون من كل دنس, وأنهم لا يذنبون لا صغيرًا ولا كبيرًا, ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم, ومن جهلهم فهو كافر([6][6]).



ولم تكن هذه العقيدة مقصورة على سلف الرافضة, بل شاركهم المعاصرون في ذلك, وفي ذلك يقول محمد رضا المظفر: ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت عمدًا وسهوًا, كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطأ والنسيان([7][7]), وقد نص على ذلك الزنجاني في عقائد الإمامية([8][8]), كما نص عليه أيضًا علي البحراني في منار الهدى([9][9]), والسيد مرتضى العسكري في معالم المدرستين([10][10]), إلا أن هناك آثارًا في المذهب الشيعي الإمامي تخالف ما ذهبوا إليه, ولذلك احتار المجلسي وهو يرى النصوص تخالف إجماع أصحابه, فقال: المسألة في غاية الإشكال, لدلالة كثير من الأخبار والآيات عن صدور السهو عنهم, وإطباق الأصحاب إلا من شذ منهم على عدم الجواز([11][11]). وهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة المتأخرين على عصمة الأئمة بإطلاق يخالف رواياتهم, وهذا دليل واقعي واعتراف صريح في أنهم يجتمعون على ضلالة, وعلى غير دليل حتى من كتبهم([12][12]).



ويبدو أن فكرة العصمة قد مرت بأطوار مختلفة, أو أن الشيعة قد اختلفت عقائدهم في تحديدها –في أول الأمر- فمثلاً في عصر أبي جعفر بن بابويه القمي ت 381هـ وشيخه محمد بن الحسن القمي, كان رأي جمهور الشيعة أن أول درجة في الغلو هي نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم ([13][13]), فكانوا يعدون من ينفي السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشيعة الغلاة.



ولكن بعد ذلك تبدلت الحال وأصبح نفي السهو والنسيان عن الأئمة هو خروج بهم من منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم, وقد كانت العصمة بهذه الصورة الغالية من نفي السهو والنسيان عن الأئمة معتقد فئة شيعية مجهولة في الكوفة, ففي البحار للمجلسي: أنه قيل للرضا –إمام الشيعة الثامن-: إن في الكوفة قومًا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته فقال: كذبوا لعنهم الله, إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو([14][14]). فهذا يدل على أن عقيدة نفي السهو كانت معتقد قوم غير معينين لشذوذهم في هذا الاعتقاد, وأنهم كانوا ينفون السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الأئمة ولم يقولوا بذلك للأئمة, ثم تطور هذا الاعتقاد ليشمل أئمة الشيعة الاثنى عشر وليعم طائفة الشيعة الإمامية كلها, فهذا شيخ الشيعة المعاصر وآيتها العظمى عبد الله الممقاني يؤكد أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضرورات المذهب الشيعي([15][15]), وهو لا ينكر أن شيوخهم السابقين كانوا يعدون ذلك غلوًا, لكنه يقول: إن ما يُعد غلوًا في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب الشيعي([16][16]), وإذا كانت دعوى عصمة الأئمة تعني مضاهاتهم للرسول فإن نفي السهو عنهم تأليه لهم كما أشار إلى ذلك إمام الشيعة الثامن علي الرضا, ولذا قرر ابن بابويه القمي وغيره أن هذا الاعتقاد هو الفيصل بين الغلاة وغيرهم([17][17]), وإذا كان شيخهم المعاصر الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي ومنكر الضروري كافر عندهم كما يؤكده شيخهم المعاصر محسن الأمين([18][18]), فمعنى هذا أن متأخريهم يكفرون متقدميهم, ومتقدميهم يكفرون متأخريهم, وإذا كان الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي, وبعضهم ينقل الإجماع على ذلك([19][19]), فإننا نجد في بعض الكتابات الموجهة لديار السنة([20][20]). القول بأن الاعتقاد بأن الأئمة يسهون هو مذهب جميع الشيعة([21][21]), وهكذا يكفر بعضهم بعضًا, ويناقض بعضهم بعضًا, وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة([22][22]), وقد كان معتقد العصمة من أسباب نشوء عقيدة البداء والتقية –كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى- وذلك أن واقع الأئمة لا يتفق بحال ودعوى عصمتهم, فإذا حصل اختلاف وتناقض في أقوالهم قالوا هذا بداء أو تقية كما اعترف بهذا بعض الشيعة([23][23]).



إن من أخطر الآثار العلمية لدعوى العصمة اعتبارهم أن ما يصدر عن أئمتهم الاثنى عشر هو كقول الله ورسوله, ولذلك فإن مصادرهم في الحديث تنتهي معظم أسانيدها إلى أحد الأئمة ولا تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, والشيعة زعمت لأئمتها عصمة لم تتحقق لأنبياء الله ورسله, كما يدل على ذلك صريح القرآن والسنة والإجماع([24][24]).



- استدلالهم على عصمة أئمتهم من القرآن الكريم:



رغم أن كتاب الله سبحانه وتعالى ليس فيه ذكر للاثنى عشر أصلا –كما مر- فضلاً عن عصمتهم, إلا أن الاثنى عشرية تتعلق بالقرآن لتقرير العصمة, ويتفق شيوخهم على الاستدلال بقوله سبحانه: صلى الله عليه وسلم "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" [البقرة:124], وبهذه الآية صدّر المجلسي بابه الذي عقده في بحاره بشأن العصمة بعنوان: باب.. لزوم عصمة الإمام([25][25]). وجملة من شيوخ الشيعة المعاصرين يجعلون هذه الآية أصل استدلالهم من القرآن ولا يستدلون بسواها مثل محسن الأمين([26][26]), ومحمد حسين آل كاشف الغطاء, والذي يقول بأن هذه الآية صريحة في لزوم العصمة([27][27]), ويتولى صاحب مجمع البيان سياق وجهة استدلال أصحابه بهذه الآية على مرادهم فيقول: استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا من القبائح؛ لأن الله –سبحانه- نص ألا ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم([28][28]), ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالمًا إما لنفسه وإما لغيره, فإن قيل إنما نفى أن ينال ظالم في حالة ظلمه, فإذا تاب فلا يسمى ظالمًا فيصح أن يناله, والجواب: أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالمًا, فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها, والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت, فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها, فلا ينالها الظالم, وإن تاب فيما بعد([29][29]).



نقد استدلالهم:



أ- اختلف السلف في معنى العهد على أقوال: قال ابن عباس والسدي: إنه النبوة, قال: رضي الله عنه "لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" أي نبوتي, وقال مجاهد: الإمامة, أي لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به, وقال قتادة وإبراهيم النخعي وعطاء والحسن وعكرمة: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين, فأما في الدنيا فقد ناله الظالم, فأمن به وأكل وعاش.. قال الزجاج: وهذا قول حسن, أي لا ينال أماني الظالمين, أي: لا أؤمنهم من عذابي, والمراد بالظالم: المشرك..وقال الربيع بن أنس والضحاك: عهد الله الذي إلى عباده: دينه, يقول: لا ينال دينه الظالمين, ألا ترى أنه قال: "وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ" [الصافات:113], يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.



وروى ابن عباس –أيضًا-: "لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" قال: ليس للظالمين عهد, وإن عاهدته فانقضه([30][30]), فالآية كما ترى, اختلف السلف في تأويلها, فهي ليست في مسألة الإمامة أصلاً في قول أكثرهم, والذين فسروها بالإمامة قصدوا إمامة العلم والصلاح والاقتداء, لا الإمامة بمفهوم الرافضة([31][31]).



ب- لو كانت الآية في الإمامة فهي لا تدل على عصمة بحال: إذ لا يمكن أن يقال بأن غير الظالم معصوم لا يخطئ ولا ينسى ولا يسهو.. إلخ, كما هو مفهوم العصمة عند الشيعة, إذ يكون قياس مذهبهم من سها فهو ظالم ومن أخطأ فهو ظالم.. وهذا لا يوافقهم عليه أحد ولا يتفق مع أصول الإسلام, فبين إثبات العصمة, ونفي الظلم فرق كبير؛ لأن نفي الظلم إثبات للعدل لا للعصمة الشيعية([32][32]).



ج- لا يسلم لهم أن من ارتكب ظلمًا ثم تاب منه لحقه وصف الظالم ولازمه: ولا تجدي التوبة في رفعه, فإن أعظم الظلم الشرك, قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ" [الأنعام:82], ثم فسر الظلم بقوله: "لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" [لقمان:13], ومع هذا قال جل شأنه في الكفار: "قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ" [الأنفال:38], لكن قياس قول هؤلاء أن من أشرك ولو لحظة, أو ارتكب معصية ولو صغيرة فهو ظالم لا ينفك عنه وصف الظلم, ومؤدى هذا أن المشرك ولو أسلم فهو مشرك لأن الظلم هو الشرك([33][33]), فصاروا بهذا أشد من الخوارج الوعيدية, لأن الخوارج لا يثبتون الوعيد لصاحب الكبيرة إلا في حال عدم توبته, ومن المعلوم في بداهة العقول فضلاً عن الشرع والعرف واللغة «أن من كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم..» وإلا جاز أن يقال: صبي لشيخ, ونائم لمستيقظ, وغني لفقير, وجائع لشبعان, وحي لميت, وبالعكس, وأيضًا لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرًا قبل سنين متطاولة أن يحنث, ولا قائل به([34][34]).



ومن المعروف أنه قد يكون التائب من الظلم خيرًا ممن لم يقع فيه, ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يقتل ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله, وتاب بعد ذنوبه, فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام, فمن المعلوم أن السابقين أفضل من أولادهم, وهل يشبه أبناء المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل([35][35]). كما أن استدلالهم هذا يؤدي إلى أن جميع المسلمين, وكذلك الشيعة وأهل البيت –إلا من تعتقد الشيعة عصمتهم- جميعهم ظلمة لأنهم غير معصومين, وقد قال شيخهم الطوسي بأن الظلم اسم ذم, فلا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله تعالى: "أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" [هود:18].



د- ما قرره أحد علماء الشيعة الزيدية في نقض استدلال الاثنى عشرية بهذه الآية: حيث قال: احتج الرافضة بالآّّّّّّّية على أن الإمامة لا يستحقها من ظلم مرة, ورام الطعن في إمامة أبي بكر وعمر, وهذا لا يصح لأن العهد إن حمل على النبوة فلا حجة, وإن حمل على الإمامة فمن تاب من الظلم فلا يوصف بأنه ظالم, ولم يمنعه –تعالى- من نيل العهد إلا حال كونه ظالمًا([36][36]).







- آية التطهير وحديث الكساء: آية التطهير



وهي قول الله عز وجل: "ِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" [الأحزاب:33], وهي كما هو معلوم جزء من قوله تعالى: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ` وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" [الأحزاب:33،32].



وقد تعمد علماء الشيعة الاثنى عشرية اقتطاع آية التطهير من السياق القرآني الذي جاءت فيه والذي خاطب الله به نساء النبي صلى الله عليه وسلم إغفالاً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم من الخطاب, ثم ضموا إلى ذلك حديث الكساء الذي رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة([37][37]), قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط([38][38]) مرحل([39][39]) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي, فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه, ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا", وحديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم " إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟, قال: «أنت على مكانك, وأنت على خير»([40][40]), لتثبيت المعنى الذي يريدونه من الاستدلال بهذه الآية الكريمة([41][41]), ويرى علماء الشيعة الاثنى عشرية أن في آية التطهير دلالة على عصمة أصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن والحسين, من الخطايا والذنوب؛ صغيرها وكبيرها, بل ومن الخطأ والسهو البشري([42][42]).







نقد لاستدلال من وجوه:



أ- حديث أم سلمة المذكور آنفًا قد ورد بعدة صيغ: فرُوي عن أم سلمة أنها قالت رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين, فجعلت لهم خزيرة, فأكلوا وناموا, وغطى عليهم عباءة أو قطيفة, ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي, أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا», وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم أجلسهم على كساء, ثم أخذ بأطرافه الأربعة بشماله, فضمه فوق رؤوسهم, وأومأ بيده اليمنى إلى ربه, فقال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا».. وهاتان الروايتان تتفقان مع رواية مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها في دخول الخمسة الآية, ولكن هذا لا يحتم عدم دخول غيرهم([43][43]), وقد وردت روايات عن أم سلمة رضي الله عنها فيها زيادات تشير إلى عدم دخولها مع أهل الكساء, لا يخلو أكثرها من الضعف لكن صح منها من جملتها هذه الرواية: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم " إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" في بيت أم سلمة رضي الله عنها فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء, ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا», قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: «أنت على مكانك وأنت على خير»([44][44]), وهناك رواية هامة جدًا رويت بإسناد حسن تشير إلى أن أم سلمة رضي الله عنها قد دخلت في الكساء بعد خروج أهل الكساء منه([45][45]), ولعل التعليل في ذلك أنه لا يصح أن تدخل أم سلمة مع علي ابن أبي طالب تحت كساء واحد, فلذلك أدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروج أهل الكساء منه, فعن شهر قال: سمعت أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء نعي الحسين بن علي, لعنت أهل العراق, فقالت: قتلوه قتلهم الله, غروه وذلوه لعنهم الله, فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته فاطمة غدية ببرمة قد صنعت له فيها عصيدة تحملها في طبق لها, حتى وضعتها بين يديه, فقال لها: «أين ابن عمك؟» قالت: هو في البيت, قال: «اذهبي فادعيه وائتني بابنيه», قال: فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد, وعلي يمشي في إثرهما, حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسهما في حجره وجلس علي على يمينه وجلست فاطمة على يساره, قالت أم سلمة: فاجتبذ كساء خيبريًا كان بساطًا لنا على المنامة في المدينة فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا فأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى ربه عز وجل, قال: «اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا, اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا», قلت يا رسول الله: ألست من أهلك؟ قال: «بلى» فادخلي في الكساء, فدخلت في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنيه وابنته فاطمة([46][46]).



فشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها أنها من أهل بيته وأدخلها في الكساء بعد دعائه لهم([47][47]).



ب- ومما يدل على أن الآية ليست دالة على العصمة والإمامة أن الخطاب في الآيات كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث بدأ بهن وختم بهن: قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً ` وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ` يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ` وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ` يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ` وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ` وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا" [الأحزاب: 28-34].



فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد, لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهر بضمير المذكر, لأنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر, حيث تناول أهل البيت كلهم, وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهما أخص من غيرهما بذلك, لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم, كما أن زوج الرجل من أهل بيته, وهذا شائع في اللغة كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي امرأتك ونساؤك, فيقول: هم بخير, وقد قال تعالى: صلى الله عليه وسلم "قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ" [هود:73], والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم عليه السلام, وهذا دليل على أن زوجة الرجل من أهل البيت([48][48]).



وقوله تعالى: "فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ" [القصص:29], والمخاطب هنا أيضًا زوجة موسى عليه السلام.



وقوله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا ` وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا" [مريم:55،54], فمن أهله الذين كان يأمرهم بالصلاة؟ وهذا كقوله تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم "وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا" [طه: 132], ولا شك في دخول زوجاته أو خديجة رضي الله عنها على أقل تقدير في الأهل, باعتبار أن السورة مكية([49][49]).



وقال تعالى: "وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيَّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [يوسف:25], فالمخاطب هنا عزيز مصر, وقولها: "مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءً", أي زوجتك, وهذا بيَّن([50][50]).



ج- إذهاب الرجس لا يعني في اللغة العربية ولا في لغة القرآن معنى العصمة: يقول الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن مادة رجس: الرجس: الشيء القذر, قال: رجل رجسي, ورجال أرجاس, قال تعالى: "رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" [المائدة:90]... والرجس من جهة الشرع: الخمر والميسر.. وجعل الكافرين رجسًا من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء, قال تعالى: "وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ" [التوبة:125], وقوله تعالى: "وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" [يونس: 100], قيل الرجس: النتن, وقيل: العذاب, وذلك كقوله: "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ" [التوبة: 28], وقال: "أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ" [الأنعام:154], وبالجملة لفظ "الرِّجْسَ" أصله القذر يطلق ويراد به الشرك كما في قوله تعالى: "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" [الحج:30], ويطلق ويراد به الخبائث المحرمة كالمطعومات والمشروبات, ونحو قوله: "قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا" [الأنعام:145], وقوله: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" [المائدة:90], ولم يثبت أن استخدام القرآن لفظ "الرِّجْسَ" بمعنى مطلق الذنب بحيث يكون في إذهاب الرجس عن أحد إثبات لعصمته([51][51]).



د- التطهير من الرجس لا يعني إثبات العصمة لأحد: فكما أن كلمة "الرِّجْسَ" لا يراد بها ذنوب الإنسان وأخطاؤه في الاجتهاد, وإنما يراد بها القذر والنتن والنجاسات المعنوية والحسية, فإن كلمة التطهير لا تعني العصمة, فإن الله عز وجل يريد تطهير كل المؤمنين وليس أهل البيت فقط, وإن كان أهل البيت هم أولى الناس وأحقهم بالتطهير, فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ" [المائدة:6].



وقال عز من قائل: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" [التوبة:103], وقال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" [البقرة:222], فكما أخبر الله عز وجل بأنه يريد تطهير أهل البيت أخبر كذلك بأنه يريد تطهير المؤمنين, فإن كان في إرادة التطهير وقوع للعصمة لحصل هذا للصحابة ولعموم المؤمنين الذين نصت الآيات على إرادة الله عز تطهيرهم, وقد قال تعالى عن رواد مسجد قباء من الصحابة "فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" [التوبة:108], ولم يكن هؤلاء معصومين من الذنوب بالاتفاق.



وقال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً: "وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ" [الأنفال:11], ولم يكن في هذا إثبات لعصمتهم مع أنه لا فرق يذكر في الألفاظ بين قول الله تعالى عن أهل البيت: "لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" وبين قوله في أهل بدر: "وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ" فالرجز والرجس متقاربان, ويطهركم في الآيتين واحد, لكن الهوى هو الذي جعل من الآية الأولى دليلاً على العصمة دون الأخرى. والعجيب في علماء الشيعة أنهم يتمسكون بالآية ويصرفونها إلى أصحاب الكساء, ثم يصرفون معناها من إرادة التطهير إلى إثبات عصمة أصحاب الكساء, ثم يتناسون في الوقت نفسه آيات أخرى نزلت في إرادة الله عز وجل لتطهير الصحابة, بل هم بالمقابل يقدحون فيهم, ويقولون بانقلابهم على أعقابهم, مع أن الله عز وجل نص على إرادة تطهيرهم بنص الآية([52][52]). "وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ" [النور:40].



هـ- الإرادة في الآية إرادة شرعية, وهي غير الإرادة القدرية: يعني: يحب الله أن يذهب عنكم الرجس, وقد تحدث علماء أهل السنة عن الإرادتين الشرعية الدينية, والإرادة القدرية الكونية, فقالوا:



إرادة شرعية دينية: وهي تتضمن معنى المحبة والرضا, كقوله تعالى: "يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة:185], وقوله تعالى: "وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا ` يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا" [النساء: 28،27].



إرادة قدرية كونية خلقية: وهي التي بمعنى المشيئة الشاملة لجميع الموجودات, وذلك مثل الإرادة في قوله تعالى "وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" [البقرة:253], وقوله: "وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُّغْوِيَكُمْ" [هود:34], فالمعاصي إرادة كونية قدرية فهو سبحانه لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها, بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها, هذا قول السلف والأئمة قاطبة, فيفرقون بين إرادته التي تتضمن محبته ورضاه, وبين إرادته ومشيئته الكونية القدرية التي لا يلزم منها المحبة والرضا([53][53]), ولا شك أن الله عز وجل أذهب الرجس عن فاطمة والحسن والحسين وعلي وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم, ولكن الإرادة في هذه الآية إرادة شرعية, ولذلك جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جللهم بالكساء قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي, اللهم أذهب عنهم الرجس»([54][54]).



و- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يحسم القضية: آية التطهير لو كان فيها ما يدل على وقوع التطهير لأهل الكساء, لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطيتهم بالكساء والدعاء لهم بقوله: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس»([55][55]), بل في هذا دلالة واضحة على أن الآية نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن ينال أصحاب الكساء هذا الإخبار الرباني عن التطهير, فجمعهم وجللهم بالكساء ودعا لهم فتقبل الله دعاءه لهم([56][56]), فطهرهم كما طهر الله نساء النبي بنص الآية.



ز- من الردود الدالة على عدم دلالة الآية على الإمامة والعصمة: منها: أن ما اختص به أمير المؤمنين علي والحسن والحسين رضي الله عنهم من الآية بزعم القوم ثبت للسيدة فاطمة رضي الله عنها, وخصائص الإمامة لا تثبت للنساء, فلو كان هذا دليلا لكان من يتصف بما في الآية يستحق العصمة والإمامة, وفاطمة رضي الله عنها كذلك وبذات الاعتبار, فدل على أن الآية لا يراد بها الإمامة ولا العصمة, ومنها خروج تسعة من الأئمة لعدم شمول الآية لهم, حيث اختصت الآية بثلاثة منهم([57][57]).



- أدلتهم من مروياتهم:



إن الاثنى عشرية تقيم معتقدها في العصمة وغيرها بما يرويه صاحب الكافي, وإبراهيم القمي, والمجلسي وأضرابهم من روايات منكرة في متنها, فضلاً عن إسنادها, تثبت لهؤلاء الاثنى عشرية العصمة المزعومة, وقد ساق المجلسي في بابه الذي عقده في شأن العصمة ثلاثًا وعشرين رواية من روايات شيوخه كالقمي, والعياشي والمفيد وغيرهم, وقد ذكرها بعد استدلاله بآية البقرة, التي تبين أن استدلالهم بها باطل, أما الكليني في الكافي فقد عقد مجموعة من الأبواب في معنى العصمة المزعومة, ساق فيها أخبارًا بسنده عن الاثنى عشر يدعون فيها أنهم معصومون بل وشركاء في النبوة, بل ويتصفون بصفات الإلهية, وتجد ذلك في الكافي في باب اعتقادهم في أصول الدين أمثلة من ذلك, وفي باب: أن الأئمة هم أركان الأرض, وأثبت فيه ثلاث روايات تقول بأن الأئمة الاثنى عشر كرسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب الطاعة, وفي الفضل, وفي التكاليف, فعلي جرى له من الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ([58][58]), ثم ما تلبث أن ترفعه عن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقام رب العالمين, حيث تقول بأن عليًا قال: أعطيت خصالاً لم يعطهن أحدٌ قبلي: علمت علم المنايا والبلايا, فلم يفتني ما سبقني, ولم يعزب عني ما غاب عني([59][59]), والذي يعلم المنايا والبلايا هو الله سبحانه "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" [لقمان:34], والذي لا يعزب عنه شيء, ولا يفوته شيء هو الخالق –جلا وعلا- قال تعالى: "لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ" [سبأ:3], ومن تتبع أبواب الكافي في هذا المعنى, يلاحظ أنها لا تخرج عن دعاوي المتنبئين والملحدين على مدار التاريخ سوى أنهم نسبوا هذه المفتريات إلى جملة أهل البيت الأطهار([60][60]).



- أدلتهم العقلية على مسألة العصمة:



قالوا: إن الأمة لابد لها من رئيس معصوم يسدد خطاها, فلو جاز الخطأ عليه لزم له آخر يسدده فيلزم التسلسل فحينئذ يلزم القول بعصمة الإمام, لأن الثقة عندهم بالإمامة لا بالأمة.. وقالوا بأنه هو الحافظ للشرع, ولا اعتماد على الكتاب والسنة والإجماع بدونه.. إلخ([61][61]).



والحقيقة غير هذا تمامًا, فالأمة معصومة بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم, ولا تجتمع الأمة على ضلالة, وعصمة الأمة مغنية عن عصمة الإمام, وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة, قالوا: لأن من كان من الأمم قبلنا كانوا إذا بدلوا دينهم بعث الله نبيًا يبين الحق, وهذه الأمة لا نبي بعد نبيها, فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة, فلا يمكن لأحد منهم أن يبدل شيئًا من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه فيما بدله, ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قرن سبيل المؤمنين بطاعة رسوله في قوله عز وجل: "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" [النساء:115], فعصمة الأمة وحفظها من الضلال –كما جاءت بذلك النصوص الشرعية- تخالف تمامًا من يوجب عصمة واحد من المسلمين, ويجوز على مجموع المسلمين –إذا لم يكن فيهم معصوم- الخطأ([62][62]), وكل ما سطروه وملأوا به الصفحات من أدلة عقلية تؤكد الحاجة إلى معصوم قد تحققت بالرسول صلى الله عليه وسلم, ولذلك فإن الأمة ترد عند التنازع إلى ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة ولا ترد إلى الإمام "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ" [النساء:59], قال العلماء: إلى كتاب الله وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم, فإن قُبض فإلى سنته([63][63]), وهي بهدي الكتاب والسنة لا تجتمع على ضلالة؛ لأنها لن تخلو من متمسك بهما, إلى أن تقوم الساعة, ولهذا فإن الحجة على الأمة قامت بالرسل, قال تعالى: صلى الله عليه وسلم إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ" [النساء:163], إلى قوله: "لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:45 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية 4

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة الرافضة وما ينبني عليها

ثالثًا: النص من شروط الإمامة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية:


يعتقد الشيعة الرافضة أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عز وجل على لسان رسوله ×, وأنها مثلها لطف من الله عز وجل, ولا يجب أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى, وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه, بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي بعده, وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك, منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟, لا والله ما هو إلا عهد من رسول الله؛ رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها(1).
ويعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الرسول × قد نص على الأئمة من بعده وعينهم بأسمائهم وهم اثنا عشر إمامًا لا ينقصون ولا يزيدون وهم:
1- علي بن أبي طالب رضي الله عنه المرتضي (ت40هـ).
2- الحسن بن علي رضي الله عنه الزكي (ت50هـ).
3- الحسين بن علي رضي الله عنه سيد الشهداء (ت61هـ).
4- علي بن الحسين زين العابدين (ت95هـ).
5- محمد بن علي الباقر (ت114هـ).
6- جعفر بن محمد الصادق (ت148هـ).
7- موسى بن جعفر الكاظم (ت183هـ).
8- علي بن موسى الرضا (ت203هـ).
9- محمد بن علي الجواد (ت220هـ).
10- علي بن محمد الهادي (ت254هـ).
11- محمد بن الحسن المهدي (ت256هـ).
12- الحسن بن علي العسكري (ت260هـ).
كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند علي رضي الله عنه, ولكن جاء فيمن بعد من عمَّمها في مجموعة من أولاده, وكانت الخلايا الشيعية تعمل بصمت وسرية, ومع ذلك فقد تصل بعض هذه الدعاوي إلى بعض أهل البيت, فينفون ذلك نفيًا قاطعًا, كما فعل جدهم أمير المؤمنين علي, ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت «عقيدة التقية» حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة, والمعلنة للناس(2).
إن من أخطر الأمور التي ابتدعها الشيعة: الوصية, وهي أن رسول الله × أوصى بالخلافة بعد وفاته مباشرة إلى علي رضي الله عنه, وأن من سبقه مغتصبون لحقه كما جاء في كتابهم «الكافي», من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية, وكان علي هو وصيه بزعمهم(3), ولكن بالاستقراء التاريخي لتاريخ الخلفاء الراشدين, لا نجد للوصية ذكرًا في خلافة أبي بكر ولا في خلافة عمر رضي الله عنهما, وإنما نجد بداية ظهورها في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه, عند بزوغ قرن الفتنة, وقد استنكر الصحابة هذا القول؛ عندما وصل إلى أسماعهم, وبينوا كذبه, ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب, وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما, ثم نرى هذا القول يتبلور في فكرة موجهة, وعقيدة تدعو إلى الإيمان بها والدعوة إليها, وذلك في خلافة علي رضي الله عنه, وهذه الوصية التي تدعيها الرافضة قد أثبت علماؤهم أنها من وضع عبد الله بن سبأ كما ذكر ذلك النوبختي والكشي –وقد مر ذلك معنا- ويكفي في الرد على زعمهم ما ورد بالنقل الصحيح عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم ومنهم علي رضي الله عنه نفسه, والأدلة كثيرة منها:
1- ذكر عند عائشة رضي الله عنها أن النبي × أوصى إلى علي, فقالت: من قاله؟ لقد رأيت النبي × وإني لمسندته إلى صدري, فدعا بالطست, فانخنث, فمات, فما شعرت فكيف أوصى إلى علي(4).
وتصريح عائشة رضي الله عنها أن النبي × لم يوص لعلي من أعظم الأدلة على عدم الوصية, فإن النبي × توفى في حجرها, ولو كانت هناك وصية لكانت هي أدرى الناس بها(5).
2- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله × في وجعه الذي توفي فيه, فقال الناس: يا أبا الحسن, كيف أصبح رسول الله ×؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا, فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب, فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا, وإني والله لأرى رسول الله × سوف يتوفى في وجعه هذا, وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت, اذهب بنا إلى رسول الله, فلنسأله فيمن هذا الأمر, إن كان فينا علمنا ذلك, وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا, فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها, لا يعطيناها الناس من بعده, وإني والله لا أسألها رسول الله ×(6). وفي قوله رضي الله عنه شهادة للصحابة رضي الله عنهم على مدى التزامهم بتنفيذ أمر رسول الله ×؛ فلو كانت هناك وصية لما تخلف أحد عنها, ولما عبرت الأنصار عن رأيها –في السقيفة- بحرية وشجاعة وصدق: منا أمير ومنكم أمير(7), ولبايعوا من عهد إليه الوصية, أو على الأقل سيذكر بعضهم, ولو كان هناك نص قبل ذلك لقال علي للعباس: كيف نسأله عن هذا الأمر فيمن يكون وهو قد أوصى لي بالخلافة, وقد توفي رسول الله × في نفس اليوم, فلما لم يوجد شيء من ذلك تبين أن ما يُدَّعى من النص دعوى لا أساس لها من الصحة, وكل ما أوردوه في ذلك من التنصيص على علي مردود, لمخالفته هذا النص الصريح من علي رضي الله عنه؛ لأن كل أدلتهم السمعية إما أنها لا تدل على المدعي, وإما نصوص تدل على ذلك ولكنها موضوعة(Cool.
3- سئل علي رضي الله عنه: أخصكم رسول الله × بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله بشيء لم يعم به الناس كافة, إلا ما كان في قراب سيفي هذا, قال: فأخرج صحيفة مكتوبًا فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله, ولعن الله من غيَّر منار الأرض, ولعن الله من لعن والده, ولعن الله من آوى محدثًا»(9). قال ابن كثير –رحمه الله-: وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه يرد على فرقة الرافضة من زعمهم أن رسول الله أوصى إليه بالخلافة, ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة, فإنهم كانوا أطوع لله ورسوله في حياته, وبعد وفاته من أن يفتئتوا عليه فيقدموا غير من قدمه, ويؤخروا من قدمه بنصه, حاشا وكلا!!, ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول ×, ومضادتهم لحكمه ونصه, ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام, وكفر بإجماع الأئمة الأعلام(10), قال النووي رحمه الله: فيه إبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة والإمامية بالوصية لعلي وغير ذلك من اختراعاتهم(11).
4- وعن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله × لم يعهد إلينا من هذه الإمارة شيئًا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله(12).
5- روى أبو بكر البيهقي بإسناده إلى شقيق بن سلمة, قال: قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا؟, فقال: ما استخلف رسول الله × فأستخلف, ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم, كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم(13). فهذا دليل واضح على أن دعوى النص عليه رضي الله عنه إنما هو من اختلاق الرافضة, الذين مُلئت قلوبهم بالبغض والحقد لأصحاب رسول الله × بمن فيهم علي وأهل بيته, وإنما يدعون حبهم تسترًا ليتسنى لهم الكيد للإسلام وأهله(14).
بهذه النصوص القطعية يتضح بجلاء أنه لا أصل للوصية المزعومة, وأن ما اعتمد عليه الرافضة هو من وضع عبد الله بن سبأ, الذي هو أول من أحدث الوصية, ثم وضعت بعد ذلك أسانيد وركبت متون نسبوها زورًا وبهتانًا إلى النبي ×, وهدفهم من ذلك الطعن في الصحابة رضي الله عنهم بمخالفتهم أمر الرسول × وإجماعهم على ذلك, ومن ثم الطعن ورد ما نقلوه إلى أجيال المسلمين من قرآن وحديث(15), قال ابن تيمية رحمه الله في رده على الحلي: وأما النص على علي فليس في شيء من كتب أهل الحديث المعتمدة, وأجمع أهل الحديث على بطلانه, حتى قال أبو محمد بن حزم, ما وجدنا قط رواية عند أحد في هذا النص المدعى إلا رواية إلى مجهول يكنى أبا الحمراء لا نعرف من هو في الخلق(16), وقال في موضع آخر: فعلم أن ما تدعيه الرافضة من النص هو مما لم يسمعه أحد من أهل العلم بأقوال رسول الله × قديمًا ولا حديثًا, ولهذا كان أهل العلم بالحديث يعلمون بالضرورة كذب هذا النقل, كما يعلمون كذب غيره من المنقولات(17), وقد جاء من الغلاة فيما بعد من أحيا نظرية ابن سبأ في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه, ثم عمموها على آخرين من سلالة علي والحسين في إثارة مشاعر الناس وعواطفهم, والدخول إلى قلوبهم, لتحقيق أغراضهم ضد الدولة الإسلامية في ظل هذا الستار, وأول من بدأ يشيع القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين في آل البيت, شيطان الطاق الذي تلقبه الشيعة مؤمن الطاق(18), وأنه حينما علم بذلك زيد بن علي بعث إليه ليقف على حقيقة الإشاعة, فقال له زيد: بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟, قال شيطان الطاق: نعم, وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم, فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها, أفترى أنه كان يشفق على من حر اللقمة, ولا يشفق علي من حر النار؟, قال شيطان الطاق: قلت له: كره أن يخبرك فتكفر, فلا يكون له فيك الشفاعة(19), وهذه القصة المروية في أوثق كتب الرجال عندهم تبين أن هذه النظرية كانت سرية التداول لدرجة أنها خفيت على إمام من أئمة أهل البيت وهو الإمام زيد. وقد بيَّن محب الدين الخطيب أن شيطان الطاق هو أول من اخترع هذه العقيدة الضالة وحصر الإمامة والتشريع, وادعى العصمة لأناس مخصوصين من آل البيت(20), وقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم المتوفي 179هـ (21), ويبدو أن عقيدة حصر الإمامة بأناس معينين سرت في الكوفة(22), بسعي مجموعة من أتباع هشام وشيطان الطاق, ففكرة حصر الأئمة بعدد معين قد وضع جذورها في القرن الثاني زمرة ممن يدعي الصلة بأهل البيت, أمثال شيطان الطاق وهشام بن الحكم(23), ولقد اختلفت اتجاهات الشيعة وتباينت مذاهبهم في عدد الأئمة, قال في مختصر التحفة: اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة, ولكنهم مختلفون في مقدارهم, فقال بعضهم: خمسة, وبعضهم: سبعة, وبعضهم: ثمانية, وبعضهم: اثنا عشر, وبعضهم ثلاثة عشر(24).
وكتب الشيعة نقلت صورة هذا التباين والتناقض سواء أكانت من كتب الإسماعيلية كمسائل الإمامة للناشئ الأكبر, أو الزينة لأبي حاتم الرازي, أم من كتب الاثنى عشرية مثل: المقالات والفرق للأشعري القمي, وفرق الشيعة للنوبختي, وقضية الإمامة عندهم ليست بالأمر الفرعي الذي يكون فيه الخلاف أمرًا عاديًا, بل هي أساس الدين وأصله المتين, ولا دين لمن لم يؤمن بإمامهم ولذلك يكفر بعضهم بعضًا, بل إن أتباع الإمام الواحد يكفر بعضهم بعضًا, ويلعن بعضهم بعضًا(25) أما الاثنا عشرية فقد استقر قولها –فيما بعد- بحصر الإمامة في اثنى عشر إمامًا, ولم يكن في العترة النبوية بني هاشم على عهد رسول الله × وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم من قول بإمامة الاثنى عشر(26), إنما عرف الاعتقاد باثنى عشر إمامًا بعد وفاة الحسن العسكري(27).
وحصر الأئمة بعدد معين عقيدة فاسدة باطلة أمير المؤمنين علي وأولاده وأحفاده براء منها, وفي كتب الشيعة المعتمدة في نهج البلاغة, عن علي رضي الله عنه قال: دعوني والتمسوا غيري, فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان, لا تقوم له القلوب, ولا تثبت عليه العقول(28), وإن الآفاق قد أغامت(29), والمحجة(30) قد تنكرت, واعلموا أني إن أحببتكم ركبت لكم ما أعلم, ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب, وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم, وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا(31).
فلو كانت إمامة علي منصوصًا عليها من الله عز وجل لما جاز لعلي بن أبي طالب تحت أي ظرف من الظروف أن يقول للناس: «دعوني والتمسوا غيري, ويقول: «أنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا» كيف والناس تريده وجاءت تبايعه(32).
ويقول في النهج كلامًا أكثر صراحة وأشد وضوحًا حين يقول: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علي ما بايعوهم عليه, فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد, وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار, فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضا, فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه, فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى(33).
وقد أشار أمير المؤمنين بهذه العبارة إلى حقائق جديرة بالاهتمام حيث جعل:
أ- الشورى للمهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله × وبيدهم الحل والعقد.
ب- اتفاقهم على شخص سبب لمرضاة الله وعلامة لموافقته سبحانه وتعالى على اختيارهم.
ج- لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم, وبغير اختيارهم.
د- لا يرد قولهم ولا يخرج عن حكمهم إلى المبتدع الباغي المتبع غير سبيل المؤمنين.
فإين هم الشيعة الاثنا عشرية من هذه التصريحات المهمة؟ (34).
إن مسألة النص لا تثبت بأي وجه من الوجوه, ومسألة حصر الأئمة بعدد معين مردودة بالكتاب والسنة, كما أنه لا يقبلها العقل ومنطق الواقع, إذ بعد انتهاء العدد المعين هل تظل الأمة بدون إمام؟, ولذلك فإن عصر الأئمة الظاهرين عند الاثنى عشرية لا يتعدى قرنين ونصف قرن إلا قليلاً, وقد اضطر الشيعة للخروج عن حصر الأئمة بمسألة نيابة المجتهد عن الإمام, واختلف قولهم في حدود النيابة (35). وفي هذا العصر اضطروا للخروج نهائيًا عن هذا الأصل الذي هو قاعدة دينهم, فجعلوا رئاسة الدولة تتم عن طريق الانتخاب ولكنهم خرجوا عن حصر العدد إلى حصر النوع فقصروا رئاسة الدولة على الفقيه الشيعي (36).
ـــــــــــــــــــــــ
( ) الإمامة والنص, فيصل نور, ص 8.
(2) الإمامة والنص, فيصل نور, ص 8.
(3)- محمد بن الحسن المهدي (ت256هـ).
(4)- الحسن بن علي العسكري (ت260هـ).
(5) أصول الشيعة الإمامية (2/800).
(6) أصول الكافي (2/17،16).
(7) البخاري رقم (1471), كتاب الوصايا.
(Cool بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود (1/190).
(9) البخاري, كتاب المغازي رقم (4447).
(10) البخاري, كتاب الحدود رقم (6830).
(11) الإمامة والرد على الرافضة, تحقيق علي ناصر فقيهي, ص 238.
(12) مسلم (3/1567) رقم (1978).
(13) البداية والنهاية (5/221).
(14) شرح صحيح مسلم (13/151).
(15) الاعتقاد, ص 184, وقال البيهقي في دلائل النبوة: سنده حسن.
(16) الاعتقاد, ص 184, إسناده جيد.
(17) عقيدة أهل السنة في الصحابة (2/620).
(18) خلافة علي بن أبي طالب, عبد الحميد, ص 65.
(19) المنهاج (8/362), الفصل (4/161).
(20) المنهاج (7/50).
(21) أصول الشيعة الإمامية (2/800).
(22) رجال الكشي, ص 186.
(23) مجلة الفتح, ص 5, العدد 862 عام 1367هـ.
(24) أصول الشيعة الإمامية (2/703).
(25) بحار الأنوار (100/259), أصول الشيعة الإمامية (2/805).
(26) أصول الشيعة الإمامية (2/806).
(27) مختصر التحفة, ص 193.
(28) أصول الشيعة الإمامية (2/807).
(29) منهاج السنة (2/11).
(30) أصول الشيعة الإمامية (2/808).
(31) لا تصبر له ولا تطيق احتماله.
(32) أغامت: غطيت بالغيم.
(33) المحجة: الطريق المستقيمة.
(34) نهج البلاغة خطبة رقم (92), ص 236.
(35) ثم أبصرت الحقيقة, 158.
(36) نهج البلاغة, كتاب إلى معاوية رقم (6), ص 526.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:47 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية 5

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة الرافضة وما ينبني عليها

ما يحتج به الاثنا عشرية في أمر تحديد عدد الأئمة بما جاء في كتب السنة:

عن جابر بن سمرة قال: يكون اثنا عشر أميرًا. فقال كلمة لم أسمعها, فقال أبي: إنه قال: «كلهم في قريش»(1). وفي مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله × يقول: «لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثنى عشر خليفة», ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قال؟, فقال: «كلهم في قريش»(2), وفي لفظ: «لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثنى عشر خليفة»(3), وفي لفظ آخر: «لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلاً»(4), وعند أبي داود: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة, كلهم تجتمع عليهم الأمة»(5), وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق الأسود بن سعيد عن جابر بنحو ما مضى قال: وزاد فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا, قال: «الهرج»(6).

يتعلق الاثنا عشرية بهذا النص ويحتجون به على أهل السنة, لا لإيمانهم بما جاء في كتب السنة(7), ولكن للاحتجاج عليهم بما يسلمون به, وبالتأمل في النص بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثنى عشر وصفوا بأنهم يتولون الخلافة, وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة, وأن الناس تجتمع عليهم ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم, وكل هذه الأوصاف لا تنطبق على من تدعي الاثنا عشرية فيهم الإمامة, فلم يتول الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي والحسن مدة قليلة, كما لم يقم أمر الأمة في مدة أحد من هؤلاء الاثنى عشر –في نظر الشيعة أنفسهم- بل مازال أمر الأمة فاسدًا.. ويتولى عليهم الظالمون بل الكافرون(Cool, وأن الأئمة أنفسهم كانوا يتسترون في أمور دينهم بالتقية(9), وأن عهد أمير المؤمنين علي وهو على كرسي الخلافة عهد تقية, كما صرح بذلك شيخهم المفيد(10), فلم يستطع أن يظهر القرآن, ولا أن يحكم بجملة من أحكام الإسلام, كما صرح بذلك شيخهم الجزائري(11), واضطر إلى ممالأة أصحابه ومجاراتهم على حساب الدين, كما أقر بذلك شيخهم المرتضى(12), فالحديث في جانب ومزاعم هؤلاء في جانب آخر, ثم إنه ليس في الحديث حصر للأئمة بهذا العدد, بل نبوءة منه عليه السلام بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصر هؤلاء, وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية عصر عزة ومنعة(13), ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: إن الإسلام وشرائعه في زمن بني أمية أظهر وأوسع مما كان بعدهم, ثم استشهد بحديث: «لا يزال هذا الأمر عزيزًا في زمن اثنى عشر خليفة كلهم من قريش», ثم قال: وهكذا كان, فكان الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي, ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عز ومنعة معاوية وابنه يزيد ثم عبد الملك وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز, وبعد ذلك حصل من النقص ما هو باق إلى الآن, ثم شرح ذلك(14). ثم إنه قال في الحديث: «كلهم من قريش»(15), وهذا يعني أنهم لا يختصون بعلي وأولاده, ولو كانوا مختصين بعلي وأولاده لذكر ما يميزون به, ألا ترى أنه لم يقل: كلهم من ولد إسماعيل ولا من العرب, فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم, أو من قبيل علي لذكروا بذلك, فلما جعلهم من قريش مطلقًا علم أنهم من قريش, بل لا يختصون بقبيلة, بل منهم بنو تيم, وبنو عدي, وبنو عبد شمس, وبنو هاشم, فإن الخلفاء الراشدين كانوا من هذه القبائل(16), فإذن لم يبق من الأوصاف التي تنطبق على ما يريدون إلا مجرد العدد, والعدد لا يدل على شيء(17).

أدلتهم من القرآن على النص:

إن الشيعة الرافضة لما لم يجدوا ما يستدلون به من الشرع لتقرير عقيدة الإمامة بالنص عمدوا إلى آيات من كتاب الله فيها ثناء ومدح لعباده الصالحين وأوليائه المتقين, فجعلوها خاصة بأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأولوها على حسب هذا المعتقد الفاسد, كما اختلقوا أحاديث كثيرة لتأييد هذه البدعة الشنيعة, وذلك لإيقاع جهلة المسلمين ومن قل نصيبه من العلم في ذلك, وما أوردوه في هذا الشأن واضح البطلان ثم إن استدلالهم لا يخرج عن أمرين:

أ- إما أن يكون فيما استدلوا به دليل على تلك الدعوى, كآية التطهير والمباهلة, وحديث الراية, وحديث خم وغيرها من الأحاديث.

ب- أو أن تكون أحاديث موضوعة, والموضوع لا تقوم به حجة, ولهذا اشتهر بين أهل العلم أن الرافضة أكذب الفرق المنتسبة للإسلام, وقد ذكر ابن تيمية اتفاق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف, الكذب فيهم قديم, ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بالكذب(18), وإليك بعض الأمثلة في استدلالهم بالقرآن:

1- آية الولاية: قال تعالى: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة:55], ذكروا في تفسير هذه الآية ما يدل على زعمهم بأنها في إمامة علي, قال شيخ الطائفة –كما يلقبونه- الطوسي: وأما النص على إمامته من القرآن, فأقوى ما يدل عليه قوله: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة:55] (19), وقال الطبرسي: وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل(20). ويكاد شيوخهم يتفقون على أن هذا أقوى دليل عندهم حيث يجعلون له الصدارة في مقام الاستدلال في مصنفاتهم(21), وأما كيف يستدلون بهذه الآية على مبتاغهم فإنهم يقولون: اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة أنها نزلت في علي لما تصدق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة وهو مذكور في الصحاح الستة(22), و +إِنَّمَا" للحصر باتفاق أهل اللغة, والولي بمعنى الأولى بالتصرف المرادف للإمام والخليفة(23). فأنت ترى أنهم يعتمدون في استدلالهم بالآية بما روى في سبب نزولها, لأنه ليس في نصها ما يدل على مرادهم, فصار استدلالهم بالرواية لا بالقرآن, فهل الرواية ثابتة, وهل وجه استدلالهم سليم؟! يتبين هذا بالوجوه التالية:

أ- أن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في علي هو من أعظم الدعاوي الكاذبة, بل أجمع أهل العلم بالنقل أنها لم تنزل في علي بخصوصه, وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة, وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع(24), وقوله: إنها مذكورة في الصحاح الستة(25), كذب, إذ لا وجود لهذه الرواية في الكتب الستة, وقد ساق ابن كثير الآثار التي تروي في أن هذه الآية نزلت في علي حين تصدق بخاتمه, وعقب عليها: وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها, وجهالة رجالها(26), وقال عبد العزيز الدهلوي: وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم عليه في حالة الركوع فإنما هو للثعلبي(27) فقط, وهو متفرد به ولا يعتد المحدثون من أهل السنة بروايات الثعلبي قدر شعيرة ولقبوه بحاطب ليل, فإنه لا يميز الرطب من اليابس, وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح وهي من أوهى ما يروى في التفسير عندهم(28), وسبب نزول هذه الآية على الصحيح هو: أنه لما خانت بنو قينقاع الرسول × ذهبوا إلى عبادة بن الصامت –كما أخرج ذلك ابن جرير في تفسيره- وأرادوه أن يكون معهم فتركهم وعاداهم وتولى الله ورسوله, فأنزل الله قوله جل وعلا: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة:55], أي والحال أنهم خاضعون في كل شئونهم لله تبارك وتعالى, ولذلك قال الله تبارك وتعالى في أول الآيات: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51], يعني عبد الله بن أبي بن سلول, لأنه كان مواليًا لبني قينقاع, ولما حصلت الخصومة بينهم وبين النبي × والاهم ونصرهم ووقف معهم, وذهب إلى النبي × يشفع لهم, أما عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه فإنه تبرأ منهم وتركهم فأنزل الله تبارك وتعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة: 51], ثم عقب تبارك وتعالى بذكر صفة المؤمنين, وهو عبادة بن الصامت ومن اتبعه +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا", أمثال عبادة وغيره, فهذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت(29).

إن الآيات الكريمة جاءت بالأمر بموالاة المؤمنين, والنهي عن موالاة الكافرين, وهذا المعنى يدرك أيضًا –بعد معرفة سبب النزول الحقيقي- بوضوح من سياق الآيات, إذ قبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:51], فهذا نهي صريح عن موالاة اليهود والنصارى بالود والمحبة والنصرة.. ولا يراد بذلك باتفاق الجميع الولاية بمعنى الإمارة, وليس هذا بوارد أصلاً, ثم أردف ذلك بذكر من تجب موالاته وهو: الله ورسوله والمؤمنون, فواضح من ذلك أن موالاة المحبة والنصرة التي نهى عنها في الأولى وهي بعينها التي أمر بها المؤمنون في هذه الآية بحكم المقابلة, كما هو بين جلي من لغة العرب(30). قال الرازي –رحمه الله-: لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار, أمر في هذه الآية بموالاة من تجب موالاته(31). وقال ابن تيمية –رحمه الله-: إنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار, والأمر بموالاة المؤمنين(32)

ب- إن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده, إما واجب وإما مستحب, والتصدق أثناء الصلاة ليس بمستحب باتفاق علماء الملة, ولو كان مستحبًا لفعله الرسول × ولحض عليه, ولكرر فعله, وإن في الصلاة لشُغلاً, وإعطاء السائل لا يفوت, إذ يمكن للمتصدق إذا سلم أن يعطيه, بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة كما هو رأي جملة من أهل العلم(33).

ج- أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة لم يختص بالركوع, فكيف يقال: لا ولي إلا الذين يتصدقون في حال الركوع, فإن قيل: هذه أراد بها التعريف بعلي, قيل له: أوصاف علي التي يعرف بها كثيرة ظاهرة, فكيف يترك تعريفه بالأمور المعروفة, ويعرف بهذا الأمر الذي لا يعرفه إلا من سمعه وصدق به؟ وجمهور الأمة لا يسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة(34).

د- وقولهم: إن عليًا أعطى خاتمه زكاة في حال ركوعه فنزلت الآية مخالفة للواقع, ذلك أن عليًا رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على عهد النبي × , فإنه كان فقيرًا, وزكاة الفضة إنما تجب على من ملَكَ النصاب حولاً, وعلي لم يكن من هؤلاء(35).

هـ- إن الأصل في الزكاة أن يبدأ المزكي, لا أن ينتظر حتى يأتيه الطالب, أيهما أفضل أن تبادر أنت بدفع الزكاة أو أن تجلس في بيتك وزكاتك عندك, ثم تنتظر الناس حتى يطرقوا عليك الباب ثم تعطيهم زكاة أموالك؟, لا شك أن الأول أفضل(36).

و- قولهم: إن المراد بقوله: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ" –الإمارة- لا يتفق مع قوله سبحانه: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا", فإن الله سبحانه لا يوصف بأنه متول على عباده, وأنه أمير عليهم, فإن خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم له الخلق والأمر, لا يقال: إن الله أمير المؤمنين كما يسمى المتولي مثل علي وغيره أمير المؤمنين(37), وأما الولاية المخالفة للعداوة فإنه يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه, ويرضى عنهم ويرضون عنه, ومن عادى له وليًا بارزه بالمحاربة(38), فهذه الولاية هل المقصودة في الآية, وقوله: +وَهُمْ رَاكِعُونَ" أي خاضعون لربهم منقادون لأمره, والركوع في أصل اللغة بمعنى الخضوع, أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال الركوع, وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله(39), وهذا كما قال الله تبارك وتعالى عن داود عليه السلام, +وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ" [ص:24], وهو خر ساجدًا, وإنما سمي راكعًا للذل والخضوع لله تبارك وتعالى, وكما قال الله تبارك وتعالى: +وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ" [المرسلات:48], أي اخضعوا واستسلموا لأمر الله تبارك وتعالى(40).

ز- وأما استدلالهم بأداة الحصر +إِنَّمَا" وأن المراد علي رضي الله عنه بالخصوص, فهذا الدليل كما يدل على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كما قرر يدل على سلب الإمامة من الأئمة المتأخرين بذلك التقرير بعينه, فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمة الأطهار مسلوبة منهم الإمامة, فإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الولاية في بعض الأوقات, أعني وقت إمامته لا وقت إمامة من بعده, وافقوا أهل السنة في أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إمامًا لا قبله(41), وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم –كما يقول شيوخهم- تبين أهم ليسوا على شيء, ذلك أن الأصل أن يستعمل في هذا الأمر العظيم –والذي هو عند الروافض أعظم أمور الدين, ومنكره في عداد الكافرين- صيغة واضحة جلية, يفهمها الناس بمختلف طبقاتهم, يدركها العامي, كما يدركها العالم, ويفهمها اللاحق, كما يفهمها الحاضر, ويعرفها البدوي, كما يعرفها الحضري, فلما لم يستعمل مثل ذلك في كتاب الله دل أنه لا نص كما يزعمون(42), وهذه أقوى آية يستدلون بها من كتاب الله, ويسمونها آية الولاية, ولهم تعلق بآيات أخرى ذكرها ابن المطهر الحلي, وأجاب عنها ابن تيمية بأجوبة جامعة(43).

2- آية المباهلة: إن آية المباهلة التي نزلت في وفد نجران تُعد دليلاً آخر عند الشيعة الاثنى عشرية على الإمامة, وهي قول الله عز وجل: +فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران:61]. ووجه دلالة الآية على إمامة علي بن أبي طالب عند الطوسي وغيره من علماء الشيعة أنها دلت على أفضليته من وجهين:

أحدهما: أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوع على صحة عقيدته, أفضل الناس عند الله.

الثاني: أنه × جعله مثل نفسه بقوله: +وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ" لأنه أراد بقوله: +أَبْنَاءَنَا" الحسن والحسين عليهما السلام, وبقوله: +وَنِسَاءَنَا" فاطمة, وبقوله: +وَأَنْفُسَنَا" نفسه ونفس علي عليهما السلام, وإذا جعله مثل نفسه وجب أن لا يدانيه ولا يقاربه في الفضل أحد(44).

وقد سميت آية المباهلة بهذا الاسم, لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له, ولاسيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره, وكانت المباهلة بالموت, لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة, لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت, وآية المباهلة لا مستند فيها على ما يدعيه الشيعة الاثنى عشرية في موضوع الإمامة, لعدة أسباب:

أ- إنه على كثرة المعاني والمرادفات لكلمة (نفس) التي استدل بها الإمامية على دلالة النص في خلافة علي بن أبي طالب لا يوجد معنى حقيقي أو مجازي يدل على الخلافة, ولكن ما استدل به أهل السنة على أنها تدل على دعوة النبي × بحضوره بنفسه أو أقاربه في الدين أو النسب فهو مذكور في اللغة موافق للدين, قال الزبيدي: قال ابن خالويه: النفس الأخ, قال ابن بري: وشاهده قوله تعالى: +فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" [النور:61] وفسر ابن عرفة قوله تعالى: +لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ" [النور:12], أي بأهل الإيمان وأهل شريعتهم(45), قال الدهلوي: معنى +نَدْعُ" نحضر أنفسنا, وأيضًا لو قررنا أن الأمير -أي الإمام علي- من قبل النبي × لمصداق +أَنْفُسَنَا" فمن تقرره من قبل الكفار لمصداق +وأَنْفُسَكُمْ" في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة +نَدْعُ" ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله +تَعَالَوْا"(46).

وقوله تعالى: +وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ" مثل قوله تعالى: +لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا" [النور:12], نزلت في أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك, فإن الواحد من المؤمنين أنفس المؤمنين والمؤمنات, وكذلك قوله تعالى: +فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ" [البقرة:54] أي يقتل بعضكم بعضًا, ومنه قوله تعالى: +وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ" [البقرة: 84], أي لا يُخرج بعضكم بعضًا, فالمراد بالأنفس الإخوان: إما في النسب وإما في الدين(47).

وقد قال الله عز وجل في رسوله الكريم: +لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة:128]. وفي هذه الآية حجة بالغة على من يستدل بقوله تعالى: +أَنْفُسَنَا" على معنى المماثلة والتطابق, فهذه الآية تتكلم عن رسول الله × وعن كفار مكة, وتقول: +مِّنْ أَنَفُسِكُمْ" فمن ذا الذي يقول بأن نفس رسول الله × هي نفس كفار مكة –عياذا بالله-؟‍!!)48).

وهنا تظهر المزاجية في تفسير آية المباهلة حين يتجاهل علماء الشيعة كل هذه النصوص ثم يأتون إلى هذه الآية الكريمة فيبالغون في معناها إلى حد قولهم بأن عليًا هو نفس محمد عليه الصلاة والسلام سوى النبوة, وحتى بعض الروايات الشيعية تشير إلى أن إطلاق لفظ أنفسنا على الأخ أو القريب أو أرباب الفئة الواحدة شيء متعارف عليه بين العرب, فعن أبي عبد الله عليه السلام, قال: بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العباس إلى ابن الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحُلَّة, فلما نظروا إليه قالوا: يا ابن عباس, أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس, فقال: أنا أول ما أخاصمكم فيه +قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" [الأعراف:32] وقال: +يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ" [الأعراف:31], فهل بعد هذه الدلائل القرآنية وبعد هذه الرواية الشيعية من كلمة يقولها المغالي(49)؟.

ب- اعترف أحد أقطاب الشيعة وهو الشريف الرضي أن قوله تعالى: +أَنْفُسَنَا" لا يعني أن عليًا رضي الله عنه هو نفس رسول الله × كما يقول الشيعة, يقول الشريف الرضي: قال بعض العلماء: إن للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العم اللاصق والقريب والمقارب بأنه نفس ابن عمه, وأن الحميم نفس حميمه, ومن الشاهد على ذلك قول الله تعالى: +وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ" [الحجرات:11], أراد تعالى: ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين, فأجرى الأخوة بالديانة مجرى الأخوة في القرابة, وإذا وقعت النفس عندهم على البعيد النسب كانت أخلق أن تقع على القريب النسب, وقال الشاعر: كأنا يوم قرى إنما نقتل إيانا, أراد كأنما نقتل إنفسنا بقتلنا إخواننا, فأجرى نفوس أقاربه مجرى نفسه لشوابك العصم ونوائط العصم ونوائط اللحم وأطيط الرحم, ولما يخلج من القربى القريبة ويتحرك من الأعراق الوشيجة, فأما قوله تعالى في سورة النور: +فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" فيمكن أن يجري هذا المجرى, لأنه جاء في التفسير: أن معنى ذلك فليسلم بعضكم على بعض لاستحالة أن يسلم الإنسان على نفسه, وإنما ساغ القول, لأن نفوس المؤمنين تجري مجرى النفس الواحدة, للاجتماع في عقد الديانة, والخطاب بلسان الشريعة, فإذا سلم الواحد منهم على أخيه كان كالمسلم على نفسه, لارتفاع الفروق واختلاط النفوس(50).

وبهذا يتضح أنه لا حجة لدى الشيعة في دعواهم أن في هذه الآية ما ينص على المساواة بين رسول الله وعلي رضي الله عنه وأرضاه, فلفظ (النفس) يُطلق في لغة العرب على البعيد النسب, فإطلاقه على القريب من باب أولى وليس في ذلك دلالة على الإمامة من قريب ولا بعيد(51).

ج- إن المباهلة إنما تحصل الرغبة والرهبة والشعور بصدق الداعي بجمعه نفسه وأهله الذين تحن إليهم النفوس بطبيعة الحال ما لا تحن إلى غيرهم من الأبعدين في الهلاك(52), فكونه × يدعو ألصق الناس به وأقربهم إليه دليل واضح على صحة نبوته, ولهذا لما رأى نصارى نجران ذلك خافوا على أنفسهم وتخلوا عن مباهلته ولكن الروافض المبتدعة لما ابتلوا بدفع الحق وعدم التسليم له أصيبوا بعدم فهم ما تدل عليه آيات الكتاب العزيز(53).

د- قول الشيعة الإمامية: إن الآية تدل على المساواة بينه وبين النبي × إلا النبوة, كلام لا يُسلم له أبدًا, إذ أن النبي لا يساويه أحد في أمور الدين لا علي ولا غيره, فأين مقام رسول الله × وكماله البشري من سائر الناس؟.

إن أمير المؤمنين عليًا نفسه لا يرضى ما يقول الشيعة الإمامية عنه, والمنصف العاقل يدرك هذه القضية بكل وضوح(54), فمقام النبوة له هيبته ومكانته عند أمير المؤمنين, وقد تحدثنا عنه في هذا الكتاب.

هـ- إن قضايا الاعتقاد الكبرى ومهمات الدين وأساسياته العظمى لابد لإثباتها من الأدلة القرآنية الصريحة القطعية الدلالة على المعنى المطلوب كدلالة قوله تعالى: +اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: 255] على التوحيد, ودلالة +مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ" [الفتح:29] على نبوة محمد ×, ودلالة قوله تعالى: +وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ" [النور:56] على فرضية الصلاة ومشروعيتها(55)... إلخ.

3- قوله تعالى: +قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى" [الشورى:23] وقد أورد الشيعة الإمامية في تفسير هذه الآية حديثًا عزوه إلى النبي × حدد فيه القربى بعلي وفاطمة وأبنائهم, الأمر الذي يدل في رأي الشيعة على أفضليتهم ووجوب مودتهم, ومن ثم وجوب طاعتهم واتخاذهم أئمة دون غيرهم(56).

والإجابة على ما سبق كالآتي:

أ- إن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة(57), ومن المعلوم أن عليًا إنما تزوج فاطمة بعد غزوة بدر, والحسن ولد في السنة الثالثة للهجرة, والحسين في السنة الرابعة, فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة, فكيف يفسر النبي × بوجوب قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد(58).

ب- إن تفسير الآية الذي في الصحيح يناقض ذلك, فقد روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: +إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى", فقال سعيد ابن جبير: قربى آل محمد ×. فقال ابن عباس: عجلت, إن النبي × لم يكن بطن في قريش إلا كان له فيهم قرابة, فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة(59), قال ابن تيمية –رحمه الله-: فهذا ابن عباس رضي الله عنه ترجمان القرآن, وأعلم أهل البيت بعد علي, يقول: ليس معناها مودة ذوي القربى, لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا, ولكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم. فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولاً أن يصلوا رحمه, فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه(60).

ج- إن الحديث الذي جعلوه مفسرًا للآية كذب وموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهم المرجوع إليهم في هذا, وقد نص على ذلك ابن تيمية(61), وقد تتبع ابن كثير أيضًا الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية وبين أن الأحاديث التي تنص على أن أولى القربى هم فاطمة وولداها ضعيفة الإسناد, وأورد رواية عن ابن أبي حاتم قال: حدثنا رجل سماه حدثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية +قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى" قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟, قال: فاطمة وولداها رضي الله عنهم, وهذا إسناد ضعيف فيه متهم لا يعرف عن شيخ شيعي محترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل, وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر في السنة الثانية من الهجرة, والحق تفسير هذه الآية بما فسرها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد تحدث ابن حجر عن ضعف الروايات المذكورة ومخالفتها للحديث الصحيح(62).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثم أبصرت الحقيقة, ص 161.

(2) الحكومة الإسلامية للخميني, ص68, أصول الشيعة (2/814).

(3) الحكومية الإسلامية للخميني, ص 248, أصول الشيعة (2/814).

(4) البخاري, كتاب الأحكام, باب الاستخلاف (8/127).

(5), (5) مسلم, كتاب الإمارة, باب الناس (2/1453).

(6) المصدر نفسه (2/1452).

(7) سنن أبي داود, كتاب المهدي (4/471).

(Cool سنن أبي داود (4/472), فتح الباري (13/211).

(9) أصول الشيعة الإمامية (2/815).

(10) منهاج السنة (4/210), المنتقى.

(11)أصول الشيعة الإمامية (2/816).

(12), (13), (14), (15) أصول الشيعة الإمامية (2/816).

(16) منهاج السنة (4/206).

(17) مسلم (2/1453).

(18) منهاج السنة (4/211).

(19) أصول الشيعة الإمامية (2/818).

(20) منهاج السنة (1/59).

(21) تلخيص الشافي (2/10) نقلاً عن أصول مذهب الشيعة الإمامية (2/822).

(22) مجمع البيان (2/128) نقلاً عن أصول الشيعة الإمامية (2/822).

(23) عقائد الإمامية الاثنى عشرية (1/82،81), أصول مذهب الشيعة (2/823).

(24) أصول مذهب الشيعة (2/823).

(25) عقائد الإمامية الاثنى عشرية (1/82،81), نقلاً عن المرجع السابق (2/823).

(26) منهاج السنة (4/4).

(27) أصول مذهب الشيعة (2/824).

(28) تفسير ابن كثير (2/77،76).

(29) مختصر التحفة الاثنى عشرية, ص 141-142.

(30) المصدر نفسه ص 141-142, عقيدة أهل البيت بين الإفراط والتفريط, ص 473. وانظر: أسباب النزول للواحدي, تحقيق أيمن شعبان, ص 163. اليهود في السنة المطهرة (1/282), ويبقى الخبر الذي رواه ابن إسحاق بإسناد مرسل يتقوى مع المتابعات والشواهد, وانظر مختصر تفسير القرآن العظيم المسمى عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير, لأحمد محمد شاكر (1/701), فقد قال أحمد شاكر فيمن قال نزلت في علي رضي الله عنه: بل هي أكاذيب الشيعة الذين يلعبون بتأويل القرآن.

(31) رواه ابن هشام في السيرة في أمر بني قينقاع (2/49), عن عبادة بن الوليد ورواه ابن جرير في تفسيره في تأويل قوله تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ" [المائدة:51] تفسير الطبري (6/178) ورجال إسناده –من طريق ابن جرير- موثوقون, وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن والده لكنه مرسل, فإن عبادة بن الوليد تابعي جليل روى عن أبيه وجده وغيرهما وهو ثقة, التهذيب (5/114).

(32) أصول مذهب الشيعة (2/826).

(33) تفسير الفخر الرازي (12/25).

(34) منهاج السنة (4/5).

(35) منهاج السنة (1/208), (4/5).

(36) منهاج السنة (4/5), أصول مذهب الشيعة (2/825).

(37) أصول مذهب الشيعة (2/825).

(38) حقبة من التاريخ ص 193.

(39), (2) أصول مذهب الشيعة (2/827).

(40) الكشاف للزمخشري (1/624), تفسير الرازي (12/25).

(41) حقبة من التاريخ, ص 194.

(42) أصول مذهب الشيعة, ص 825.

(43) أصول مذهب الشيعة الإمامية (2/829).

(44) وقد قام الدكتور علي السالوس بدراسة مستفيضة حول الآيات التي يستدل بها الإمامية لقولهم بالإمامة, وانتهى من ذلك إلى أن استدلاتهم تنبني على روايات متصلة بأسباب النزول وتأويلات انفردوا بها, لم يصح شيء من هذا ولا ذاك, مع الشيعة الاثنى عشرية (1/55 إلى 111).

(45) تفسير التبيان للطوسي (3/485).

(46) تاج العروس (16/570), ثم أبصرت الحقيقة, ص 188.

(47) مختصر التحفة الاثنى عشرية, ص156.

(48) مختصر منهاج السنة (1/168،167).

(49) ثم أبصرت الحقيقة, ص 188.

(50) المصدر السابق, ص 189.

(51) ثم أبصرت الحقيقة, ص ص189.

(52) المصدر السابق, ص 190.

(53) منهاج السنة (7/126،125).

(54) عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة (2/565،564)ز

(55) ثم أبصرت الحقيقة ص 191.

(56) آية التطهير وعلاقتها بعصمة الأئمة, عبد الهادي الحسيني, ص 5.

(57) مجمع البيان للطبرسي (25/49-51), مختصر التحفة الاثنى عشرية, ص 153-155.


(58) تفسير البغوي (4/119), العقيدة في أهل البيت, ص 364.

(59) منهاج السنة (7/99), دراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين, جلي, ص 190.

(60) البخاري, ك التفسير, رقم (4818).

(61) منهاج السنة (7/100).

(62) منهاج السنة (7/100).

(63) تفسير ابن كثير (4/112), فتح الباري (8/564).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:47 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية 6

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة الرافضة وما ينبني عليها

أدلتهم من السنة:


1- خطبة غدير خُمّ: غدير خم هو موقع بين مكة والمدينة بالجحفة(1), ويقع شرق رابغ بما يقرب من 26 ميلاً, ويسمونه اليوم الغربة(2), ويذكر أنه في هذا الموقع خطب النبي × في الناس, وذكر فضل علي رضي الله عنه, واتخذ الروافض هذه الحادثة أساسًا يعتمدون عليه في تشيعهم الغالي له من جهة, واعتمدوا عليها في أحقية علي بالخلافة من جهة أخرى, فأعطوا لهذه الحادثة من الأهمية ما لم يعطوه لغيرها في عصر النبوة(3), حتى ألف فيه كتاب من أحد عشر مجلدًا وهو كتاب الغدير ملأه مؤلفه بالأحاديث الموضوعة والضعيفة, والصحيح ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: قام رسول الله × فينا خطيبًا بماء يدعى خُمًا بين مكة والمدينة, فحمد الله وأثنى عليه, ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد, ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين, أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور, فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به», فحث على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي» قال له حصين -أي الراوي عن زيد بن أرقم-: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى, ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس, قال: كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم(4).
وجاء عند غير مسلم كالترمذي(5), وأحمد(6), والنسائي في الخصائص(7), والحاكم (Cool, وغيرهم جاءت بأسانيد صحيحة عن النبي ×: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(9), وأما الزيادات الأخرى كقوله: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فهذه الزيادات صححها بعض أهل العلم, والصحيح أنها لا تصح. وأما زيادة انصر من نصره واخذل من خذله, وأدر الحق معه حيث دار, فهذه زيادة مكذوبة على النبي ×(10).
وخطبة النبي ×: في غدير خم لها سبب وجيه, فعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: بعث النبي × عليًا إلى خالد بن الوليد في اليمن ليخمس الغنائم ويقبض الخمس فلما خمّس الغنائم كانت في الغنائم وصيفة هي أفضل ما في السبي, فصارت في الخُمس, ثم إن عليًا خرج ورأسه مغطى وقد اغتسل, فسألوه عن ذلك, فأخبرهم أن الوصيفة التي كانت في السبي صارت له فتسرَّى بها, فكره البعض ذلك منه, وقدم بريدة بن الحصيب بكتاب خالد إلى النبي × وكان ممن يبغض عليًا, فصدَّق على كتاب خالد الذي تضمن ما فعله علي, فسأله النبي ×: «لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك»(11), فلما كانت حجة الوداع رجع علي من اليمن ليدرك الحج مع النبي × وساق معه الهدي(12), وقد تعجل علي ليلقى الرسول × بمكة واستخلف رجلاً من أصحابه على الجند, فكسا ذلك الرجل الجند حللاً من البز(13), الذي كان مع علي, فلما دنا الجيش من مكة خرج علي ليلقاهم, فإذا عليهم الحُلل, فقال لنائبه: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس, قال: ويلك, انزع قبل أن تنتهي به إلى الرسول ×, فانتزع الحلل وردها إلى البزّ, فأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم علي(14), فلما اشتكى الناس عليًا قام رسول الله × في الناس خطيبًا, قال ابن كثير: إن عليًا رضي الله عنه لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه لذلك, والله أعلم, لما رجع الرسول × من حجته وتفرغ من مناسكه وفي طريقه إلى المدينة مر بغدير خم فقام في الناس خطيبًا فبرأ ساحة علي ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في قلوب كثير من الناس(15).
إن النبي أخّر الكلام إلى أن رجع إلى المدينة ولم يتكلم وهو في مكة في حجة الوداع في يوم عرفة, وإنما أجل الأمر إلى أن رجع, فهذا يدل على أن الأمر خاص بأهل المدينة لأن الذين تكلموا في علي رضي الله عنه من أهل المدينة فهم الذين كانوا مع علي في الغزو, وغدير خم في الجحفة وهي تبعد عن مكة تقريبًا مائتين وخمسين كيلو مترًا, والذي يقول إنه مفترق الحجيج فهذا غير صحيح, لأن مجتمع الحجيج مكة, فلا يكون مفترق الحجيج بعيدًا عن مكة أكثر من مائتين وخمسين كيلو مترًا أبدًا, فإن أهل مكة يبقون في مكة, وأهل الطائف يرجعون إلى الطائف, وأهل اليمن إلى اليمن, وأهل العراق إلى العراق, وهكذا كل من أنهى حجه, فإنه يرجع إلى بلده, وكذلك القبائل العربية ترجع إلى مضاربها, فلم يكن مع النبي × إلا أهل المدينة ومن كان على طريق المدينة فقط, وهم الذين خطب فيهم النبي ×, والاختلاف بين أهل السنة والشيعة الروافض في مفهوم قول النبي × لا في الثبوت, فالروافض يقولون: «من كنت مولاه فعلي مولاه», أي من كنت واليه فعلي واليه. وأهل السُّنَّة يقولون: إن مفهوم قول النبي × «من كنت مولاه فعلي مولاه» أي الموالاة التي هي النصرة والمحبة وعكسها المعاداة, وذلك لأمور:
أ- للزيادة التي وردت وصححها بعض أهل العلم وهي قول النبي ×: «اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه»(16), والمعاداة هي شرح لقوله: فعلي مولاه, فهي في محبة الناس لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.
ب- كلمة مولاه تدل على معان متعددة, قال ابن الأثير: المولى يقع على الرب والمالك والمنعم والناصر والمحب والحليف والعبد والمعتق وابن العم والصهر(17), كل هذا تطلقه العرب على كلمة مولى.
ج- الحديث ليس فيه دلالة على الإمامة لأن النبي × لو أراد الخلافة لم يأت بكلمة تحتمل هذه المعاني التي ذكرها ابن الأثير, والنبي × هو أفصح العرب ولكان يقول: علي خليفتي من بعدي, أو علي الإمام من بعدي, أو إذا أنا مت فاستمعوا وأطيعوا لعلي بن أبي طالب, ولكن لم يأت النبي × بهذه الكلمة الفاصلة التي تنهي الخلاف إن وجد أبدًا, وإنما قال: من كنت مولاه فعلي مولاه(18).
د- قال الله تعالى: +مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" [الحديد:15], فسماها مولى لشدة الملاصقة والاتحاد مع الكفار والعياذ بالله.
هـ- الموالاة وصف ثابت لعلي في حياة رسول الله × وبعد وفاته وبعد وفاة علي رضي الله عنه, فعلي كان مولى المؤمنين بعد وفاة رسول الله × وهو مولى المؤمنين بعد وفاته رضي الله عنه, فهو الآن مولانا كما قال الله تبارك وتعالى: +إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا" [المائدة:55], وعلي رضي الله عنه من سادة الذين آمنوا.
و- قال الإمام الشافعي رحمه الله عن حديث زيد: يعني بذلك ولاء الإسلام كما قال الله: +ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ" [محمد:11] (19), فالحديث لا يدل على أن عليًا رضي الله عنه هو الخليفة بعد رسول الله ×, وإنما يدل على أن عليًا من أولياء الله تبارك وتعالى, تجب له الموالاة, وهي المحبة والنصرة والتأييد(20).
وعمومًا فإن هذه الخطبة التي خطبها النبي × في غدير خم أراد بها تبرئة ساحة علي رضي الله عنه ورفع مكانته والتنبيه على فضله؛ ليزيل ما كان وقر في نفوس الناس من أصحابه الذين كانوا معه في اليمن وأخذوا عليه بعض الأمور, والرسول × لم يرد أن يفعل ذلك أثناء موسم الحج لأن الحادثة رغم انتشارها بقيت محدودة في أهل المدينة, كما أنه لم يؤخره حتى وصوله إلى المدينة حتى لا يمكن المنافقين من استغلال مثل هذه الحادثة في مكايدهم(21), ومما يدل على أن النبي × أراد من خطبته هذه بيان فضل علي للذين لم يعرفوا فضله, أنه عندما قام عنده بريدة بن الحصيب ينتقص في علي –وكان قد رأى من علي جفوة- تغير وجه النبي × وقال: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فقال بريدة: بلى يا رسول الله. قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(22).
وهناك بحث قيم في هذا الموضوع قام به الدكتور محمد علي السالوس, فتحدث عن خطبة الغدير والوصية بالكتاب والسنة, وقام بدراسة لروايات التمسك بالكتاب والعترة وناقشها وحكم عليها ثم قال: مما سبق نرى أن حديث الثقلين من الأحاديث التي صح سندها وصح متنها, وأن الروايات الثماني التي تأمر بالتمسك بالعترة إلى جانب الكتاب الكريم لم تخل واحدة منها من ضعف في السند (23), وفي متن هذه الروايات نجد الإخبار بأن الكتاب وأهل البيت لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله ×, ومن أجل هذا وجب التمسك بهما, ولكن الواقع يخالف هذه الأخبار, فمن المتشيعين لأهل البيت من ضل وأضل, وأكثر الفرق التي كادت للإسلام وأهله وجدت من التشيع لآل البيت ستارًا يحميها, ووجدت من المنتسبين لآل البيت من يشجعها لمصالح دنيوية, كأخذ خُمس ما يغنمه الأتباع.
إن عدم الضلال يأتي من التمسك بالكتاب والسنة, وإذا تمسك أهل البيت بهما كان لهم فضل الانتساب مع فضل التمسك, واستحقوا أن يكونوا أئمة هدى نقتدي بهم كما قال تعالى: +وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" [الفرقان:74] أي: أئمة نقتدي بمن قبلنا, ويقتدي بنا من بعدنا, ولا يختص هذا بأهل البيت ولكن بكل من يعتصم بالكتاب والسنة, فالروايات التي ضعف سندها لا يستقيم متنها كذلك, وهذا ضعف آخر. ومع هذا كله فلو صحت هذه الروايات فإنها لا تدل من قريب ولا بعيد على وجوب إمامة الأئمة الاثنى عشر وأحقيتهم بالخلافة(24).
قال العلامة المناوي في فقه روايات الحديث: إن ائتمرتم بأوامر كتابه, وانتهيتم بنواهيه, واهتديتم بهدى عترتي, واقتديتم بسيرتهم, اهتديتم فلم تضلوا(25).
وقال ابن تيمية بعد أن بين أن الحديث ضعيف لا يصح: وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة. قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلي وغيره, وقال أيضًا: إجماع الأمة حجة بالكتاب والسُنَّة والإجماع, والعترة بعض الأمة, فليزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة(26).
إن حديث الثقلين, في قوله ×: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا, كتاب الله (27) وعترتي», فيه كلام من حيث صحته وثبوته عن النبي ×. والثابت عند مسلم أن الأمر كان بالتمسك بكتاب الله, والوصية بأهل البيت كما مر من حديث زيد بن أرقم في مسلم, فأوصى بكتاب الله, وحث على التمسك به, ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي», فالذي أمر بالتمسك به كتاب الله, وأما أهل بيت النبي × فأمر برعايتهم وإعطائهم حقوقهم التي أعطاهم الله تبارك وتعالى إياها(28) والرد على فهم الشيعة الروافض المنحرف لحديث الثقلين من وجوه:
أ- إن عترة الرجل هم أهل بيته, وعترة النبي × هم كل من حرمت عليه الزكاة وهم بنو هاشم, هؤلاء هم عترة النبي ×, فالروافض ليس لهم أسانيد إلى الرسول × وهم يقرون بهذا أنهم ليس عندهم أسانيد في نقل كتبهم ومروياتهم, وإنما هي كتب وجدوها وقالوا: رووها فإنها حق(29), أما أسانيدهم كما يقول الحر العاملي وغيره من أئمة الشيعة الروافض: إنه ليس عند الشيعة أسانيد أصلاً ولا يعولون على الأسانيد(30), فأين لهم ما يروونه في كتبهم ثابتًا عن عترة النبي ×؟, بل أهل السنة هم أتباع عترة النبي × وأعطوهم حقهم, ولم يزيدوا ولم ينقصوا, كما قال النبي × في حق نفسه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم, ولكن قولوا عبد الله ورسوله»(31).
ب- إمام العترة علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وبعده يأتي في العلم عبد الله بن عباس الذي هو حبر الأمة, وكان يقول بإمامة أبي بكر وعمر قبل علي رضي الله عنه, بل إن علي بن أبي طالب قد ثبت عنه بالتواتر أنه قال: أفضل الناس بعد رسول الله × أبو بكر وعمر(32), فعلي يقر بفضل الشيخين وهو إمام العترة(32).
ج- هذا الحديث مثل قوله ×: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا, كتاب الله وسنتي»(33). وقال النبي ×: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ»(34), فأمر بالعض عليها بالنواجذ, وقال ×: «اقتدوا باللذين من بعدي, أبي بكر وعمر»(35), وقال: «اهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن مسعود»(36), ولم يدل على الإمامة أبدًا, وإنما دل على أن أولئك على هدى الرسول ×, كما أن عترة الرسول × لا تجتمع على ضلالة أبدًا(37).
د- إن الشيعة الروافض يطعنون في العباس(38), ويطعنون في عبد الله ابنه, ويطعنون في أولاد الحسن, وقالوا: إنهم يحسدون أولاد الحسين, ويطعنون كذلك في أبناء الحسين نفسه من غير الأئمة الذين يدعونهم كزيد بن علي(39), وكذلك إبراهيم أخي الحسن العسكري(40), وغيرهم فهم ليسوا بأولياء النبي × وعترته بل أولياء النبي وعترته هم الذين مدحوهم وأثنوا عليهم وأعطوهم حقهم ولم ينقصوهم(41).
هـ- فهم صحابة رسول الله × للنص: فهم الصحابة رضي الله عنهم أن المراد بالمولى أو الولي هو الحب والولاء والطاعة, ولذلك عبَّروا عن طاعتهم وإجلالهم لسيد أهل البيت علي بن أبي طالب بمناداته يا مولانا, فعن رياح الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا, فقال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله × يقول يوم غدير خم: «من كنت مولاه فهذا مولاه» قال رياح: فلما مضوا اتبعتهم فسألت من هؤلاء؟, قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري(42).
إن أهم ما يستفاد من هذا الحديث هو أن علي بن أبي طالب نفسه لم يكن يفهم من لفظ (مولى) معنى الإمامة والإمارة, فمن الملاحظ أن أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه قد استنكر منهم مناداته بـ(يا مولانا), ولو كان أمير المؤمنين على العربي الفصيح يراها مرادفة يا أميرنا, أويا إمامنا, فما استنكر على القائلين تلك المناداة(43).
و- روت كتب الشيعة الاثنى عشرية أقوالاً لبعض أهل البيت ينفون فيها أن يكون المراد بحديث الغدير النص على إمامة علي من بعد رسول الله ×, فقد قيل للإمام الحسين ابن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي أبيه وولي صدقة جده: ألم يقل رسول الله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ فقال: بلى ولكن –والله- لم يعن رسول الله بذلك الإمامة والسلطان, ولو أراد لأفصح لهم به. وكان ابنه الإمام عبد الله يقول: ليس لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا, وليس في أحد من أهل البيت إمام مفترض الطاعة من الله, وكان ينفي أن تكون إمامة أمير المؤمنين من الله(44), فإذا كان هذا كلام أهل البيت وهم أبناء علي والناصرون له, فما ترى غيرهم يقولون(45)؟.
2- حديث استخلاف عليّ رضي الله عنه على المدينة في تبوك: كان في رجب سنة تسع من الهجرة غزوة تبوك, وكانت لها أهمية كبيرة في السيرة النبوية, وتحققت منها غايات كانت بعيدة الأثر في نفوس المسلمين والعرب, ومجرى الحوادث في تاريخ الإسلام(46), واستعمل رسول الله × على المدينة عليًا, فوجد المنافقون فرصة للتنفيس عما بداخلهم من حقد ونفاق, فأخذوا يتكلمون في علي رضي الله عنه بما يسئ إليه, فمن ذلك قولهم: ما تركه إلا لثقله عليه. وهذا القول منهم في حقه, علامة بارزة واضحة على نفاقهم, ففي الحديث الصحيح أن عليًا رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة, إنه لعهد النبي الأمي × «أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»(47).
عند ذلك أدرك علي الجيش وأراد الغزو معهم قائلاً: يا رسول الله أتخلفني في الصبيان والنساء, فقال رسول الله ×: «ألا ترضى أن تكون بمنزلة هارون من موسى, غير أنه لا نبي بعدي»(48).
وليس في هذا الحديث ما يستدل به الشيعة على كون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة لرسول الله × والرد عليهم من وجوه:
أ- الحديث المذكور له سبب مهم لا ينبغي أن يغفل وأن يفهم الحديث دونه, قد طعن المنافقون في علي رضي الله عنه, فبين رسول الله مكانته وفضله, وكذب المنافقين.
ب- من الثابت أن هارون عليه السلام كانت وفاته قبل موسى عليه السلام والاستدلال بالحديث على إمامة علي بعد رسول الله بالتالي غير منطبق, ولو أراد رسول الله × النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقال له مثلاً: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى, لأن نبي الله يوشع استخلف على بني إسرائيل بعد وفاة موسى عليه السلام, لكن ذكر رسول الله × لهارون عليه السلام الذي كان خليفة موسى عليه السلام في حياة موسى لابعد وفاته, ليس له إلا معنى واحد هو الترضية لعلي الذي أحزنه إبقاء الرسول × له في المدينة مستخلفًا على الضعفاء والنساء والأطفال والمتخلفين عن الغزوة, فبين له النبي × أنه كما استخلف موسى عليه السلام أخاه هارون عليه السلام على قومه وذهب للطور للقاء ربه تبارك وتعالى فاستخلافي لك من هذا الباب, فموسى لم يستخلف هارون –عليه السلام- استخفافًا به وتنقيصًا له وإنما ائتمانًا وثقة به, وكذلك الحال معك يا علي بن أبي طالب رضي الله عنك.
ج- هارون عليه السلام لم يكن وصيًا لموسى عليه السلام بل كان نبيًا ووزيرًا بنص القرآن, وقياس حال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي هو عند الشيعة وصي وليس بنبي قياسًا مع الفارق علمًا بأنهم يرفضون القياس أصلاً.
د- الاستدلال بكون هارون عليه السلام وزيرًا لموسى عليه السلام على وزارة أمير المؤمنين علي لرسول الله × أعجب من الأولى, ذلك لأن الله تعالى الذي جعل هارون عليه السلام وزيرًا لنبيه موسى عليه السلام قال في محكم كتابه عن طلب موسى عليه السلام: +وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي  هَارُونَ أَخِي  اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي  وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي" [طه:29-32], فهل يرى من يدَّعي التطابق بين الاثنين كون علي رضي الله عنه مشاركًا لرسول الله × في نبوته كما هو الحال في مشاركة هارون لموسى عليه السلام في أمره؟!, من يعتقد ذلك فلا شك في كفره وخروجه من ملة الإسلام(49).
هـ- لقد استخلف النبي × على المدينة غير علي بن أبي طالب, ففي غزوة بدر استخلف عبد الله بن أمِّ مكتوم, واستخلف في غزوة سليم, سباع بن عُرطفة الغفاري أو ابن أم مكتوم على اختلاف في ذلك, واستخلف في غزوة السويق, بشير بن عبد المنذر, واستعمل على المدينة في غزوة بني المصطلق, أبا ذر الغفاري, وفي غزوة الحديبية, نُميلة بن عبد الله الليثي, كما استعمله أيضًا في غزوة خيبر, وفي عمرة القضاء استعمل عويف بن الأضبط الديلي, وفي فتح مكة, كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري, وفي حجة الوداع, أبا دجانة الساعدي, ذكر هذا ابن هشام في مواقف متفرقة من السير(50), إضافة إلى أن استخلاف عليّ على المدينة لم يكن الأخير فقد استخلف النبي × على المدينة في حجة الوداع غير علي, وهذا منهج النبي × في تربية القادة كما حدث عندما أمر أبا بكر على الحج, واختصه أيضًا بإمامة الصلاة وحده(51).
و- وأما تشبيه النبي × لعلي بهارون فهذه فضيلة, كما أن النبي × شبه أبا بكر وعمر بأعظم من هارون ففي غزوة بدر, لما كانت قضية الأسرى واستشار النبي × أبا بكر, فرأى أن يعفو عنهم وأن يفادوهم قومهم, ورأى عمر أن يقتلهم, فقال النبي × لأبي بكر: «إن مثلك كمثل إبراهيم يوم قال: +فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [إبراهيم:36] ومثلك كمثل عيسى إذ قال: +إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [المائدة: 118], ثم التفت إلى عمر فقال: يا عمر إن مثلك مثل نوح لما قال: +رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" [نوح:26], ومثلك كمثل موسى لما قال: +رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ"(52) [يونس:88]».
فشبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى, وشبه عمر بنوح وموسى, وأولئك من أولي العزم وهم خير البشر بعد رسول الله ×, وهم أفضل من هارون بدرجات صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وتشبيه النبي × لعلي بهارون تكريم له, كما كرَّم النبي × أبا بكر وعمر عندما شبههم بإبراهيم وعيسى وموسى ونوح(53) عليهم السلام.
ز- من أقوال العلماء في شرح الحديث:
قال النووي رحمه الله: وهذا الحديث لا حُجة فيه لأحد منهم, بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله, وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده, لأن النبي × إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك. ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى, بل توفي في حياة موسى, وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص, قالوا وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة(54).
وقال ابن حزم رحمه الله بعد ذكر احتجاج الرافضة بالحديث: وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده: لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام, وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام, كما ولى الأمر بعد رسول الله × صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة, وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا, ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل فصح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط, وأيضًا فإنما قال له رسول الله × هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك, ثم إنه قد استخلف × قبل تبوك وبعد تبوك في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره, ولا ولاية الأمر بعده, كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين(55).
وقال ابن حجر رحمه الله: واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة, فإن هارون كان خليفة موسى وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق.. أشار إلى ذلك الخطابي(56).
وقال ابن تيمية رحمه الله في سياق رده على الشيعة الرافضة في استدلالهم بهذا الحديث: وقول القائل هذا بمنزلة هذا, وهذا مثل هذا, هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق, لا يقتضي المساواة –المطلقة- في كل شيء, وكذلك هنا بمنزلة هارون, وهذا الاستخلاف لا يسمى من خصائص علي, بل ولا هو مثل استخلافاته فضلاً أن يكون أفضل منها, وقد استخلف من هو على أفضل منه في كثير من الغزوات, ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المُستخلف على عليّ إذا قعد معه, فكيف يكون موجبًا لتفضيله على عليّ؟ قد استخلف على المدينة غير واحد, وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي بل كان ذلك الاستخلاف يكون على أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر, فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة, فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز, وفتحت مكة وظهر الإسلام وعز, ولهذا أمر الله نبيه أن يغزو, ولهذا لم يَدَع النبي × عند علي أحدًا من المقاتلة, كما كان يدع النبي × بها في سائر الغزوات بل أخذ المقاتلة(57) كلهم.
ج- الحكمة في عدم تخصيص رسول الله × من بعده أحدًا ليتولى أمر الأمة: إن الحكمة في عدم تخصيص رسول الله × من بعده أحدًا يتولى أمر الأمة تتضح في إدراكنا لحقيقة الإسلام كدين رباني للبشرية, وأنه لو حدد الرسول × رجلاً من بعده, فإنه يكون قد أعطى المسوغ الشرعي ليدعي المدعون –وقد فعلوا بدون برهان- بأن قيادة الأمة من حق أسرة بعينها, ويصبح الحكم الوراثي هو الحكم السائد في الإسلام, ولكن رسول الله × أراد –وهو لا ينطق عن الهوى +إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى"- أن يترك هذا الأمر مطلقًا للمسلمين أن يختاروا أصلحهم وخيرهم, وإن كان لمح بعض التلميحات إلى أبي بكر وكان بمقدوره عليه السلام أن يصرح, ولكنه لم يفعل لهذا القصد, إلا أن التلميح لا يعطي شرعية التولية المباشرة, ولو كانت هناك وصية لأحد من الخلق لما حصل اختلاف في سقيفة بني ساعدة في بداية الأمر, ولما استشار أبو بكر الناس في تولية عمر رضي الله عنه, ولما ترك عمر الخلافة بيد ستة من المهاجرين.. إلخ, ولو كانت المسألة وراثة لكان بنو هاشم أول من ينالون هذا الأمر(58).
إن هذا الدين للبشرية, ولا يصح بأي حال من الأحوال أن يكون محصورًا في أسرة حاكمة واحدة, ويظل متوارثًا, كالمتاع, وإذا كانت العصور التالية فعلت ذلك, كعصر بني أمية, وبني العباس وغيرهم, فإن هذا خلاف القاعدة الشرعية, وما كان خلاف القاعدة فهو طارئ وغريب على دين الله, وينبغي أن ينحى هذا المفهوم القاصر كلية من الفكر الإسلامي حتى يصبح ناصعًا نقيًا(59).
بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يستدلون بها في الإمامة:
1- حديث الطائر: ومن أهم أدلةالشيعة الإمامية كذلك: حديث الطائر المشوي, روى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أخدم رسول الله ×, فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير, قال: فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار, فجاء علي رضي الله عنه فقلت: إن رسول الله على حاجة, ثم جاء فقال رسول الله ×: افتح, فدخل, فقال رسول الله ×: ما حبسك يا علي؟, فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يَرُدُّني أنس, يزعم أنك على حاجة, فقال: ما حملك على ما صنعت؟, فقلت: يا رسول الله, سمعت دعاءك, فأحببت أن يكون رجلاً من قومي, فقال رسول الله ×: إن الرجل قد يحب قومه(60). روى هذا الحديث بأسانيد لا تخلو من ضعف, بالإضافة إلى أن كثرة الروايات المسندة إلى أنس بن مالك رضي الله عنه وعدم صحة سند واحد منها أمر يدعو للعجب والدهشة, فأين أصحاب أنس من هذا الحديث وقد صحبوه السنين الطوال؟ لم نر أي واحد منهم قد روى هذا الحديث, وهم من هم في الثقة والضبط, كأمثال الحسن البصري, وثابت البناني, وحميد الطويل, وحبيب بن أبي ثابت, وبكر بن عبد الله المزني, وأسعد بن سهل بن حنيف, وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, وأبان بن صالح, وإبراهيم بن ميسرة, وغيرهم كثير ممن يروي عن أنس ولا يُعرف, قال ابن كثير: ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه –أي حديث الطير- سندًا ومتنًا للقاضي أبي بكر الباقلاني(61), وقال ابن الجوزي: قد ذكره ابن مردويه من نحو عشرين طريقًا كلها مظلم, وفيها مطعن, فلم أر الإطالة بذلك(62), وقال ابن تيمية: حديث الطائر من المكذوبات والموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل(63), وقال الزيلعي: كم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه, وهو حديث ضعيف(64).
2- حديث الدار: ومن الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنى عشرية على نصية الإمامة حديث الدار, حيث يرى الشيعة أن رسول الله × نص على إمامة علي منذ بداية البعثة, وأثناء عرضه الإسلام على كفار مكة, ومنذ مطالبته إياهم بترك الأوثان وإفراد الواحد القهار بالعبادة, لما نزلت هذه الآية على رسول الله × +وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ" [الشعراء:214] دعاني رسول الله × فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعًا وعرفت أني متى أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره, فصمت علي حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك, فاصنع لنا صاعًا من الطعام واجعل عليه رجل شاة, واملأ لنا عسًا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به, ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه, فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب, فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله خدية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة, ثم قال: خذوا باسم الله, فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة, وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفسي بيده, وإن كان الرجل الواحد منهم يأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: اسق القوم, فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله, فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم, فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله, فقال: الغد يا علي, إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت, ثم اجمعهم إليّ. فقال: ففعلت, ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, ثم قال: أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله ×, فقال: يا بني عبد المطلب, إني والله ما أعلم شابًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به, إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة, وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعًا وقلت –وإني لأحدثهم سنًا وأرمصهم عينًا وأعظمهم بطنًا وأحمشهم ساقًا(65) -: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه, فأخذ برقبتي, ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا, فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع, وفي سياق آخر.. فلم يجبه أحد منهم فقام علي وقال: أنا يا رسول الله قال: أجلس ثم أعاد القول على القوم ثانيًا, فصمتوا, فقام علي وقال: أنا يا رسول الله, قال: أجلس ثم أعاد القول على القوم ثالثًا فلم يجبه أحد منهم, فقام علي فقال: أنا يا رسول الله, فقال: اجلس أنت أخي(66).
وهذا الحديث باطل سندًا ومتنًا:
أما سندًا: ففي سنده عبد الغفار بن القاسم وعبد الله بن عبد القدوس, فأما عبد الغفار ابن القاسم فهو متروك لا يُحتج به, قال عنه علي بن المديني: كان يضع الحديث, وقال يحيى ابن معين(67): ليس بشيء. وروى عباس بن يحيى: ليس بشيء. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم –أي عند علماء الجرح والتعديل- وقال عنه ابن حبان: يقلب الأخبار ولا يجوز الاحتجاج به, تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين, وقال النسائي: متروك الحديث(68), وليس عبد الله بن عبد القدوس بأحسن حالاً من سابقه, بل هو مجروح أيضًا عند عامة علماء الحديث, قال النسائي: ليس بثقة, وقال الدارقطني: ضعيف(69).
وأما من ناحية المتن فالحديث واضح البطلان لأسباب وهي:
أ- هذه الرواية معارضة لرواية أخرى اتفق أهل الحديث على صحتها وثبوتها, فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت +وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ" [الشعراء:214], صعد النبي × على الصفا, فجعل ينادي: «يا بني فهر, يا بني عدي», لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو, فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ», قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا, قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد», فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم, ألهذا جمعتنا, فنزلت +تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ"(70) [المسد:2،1].
ب- الشيعة الاثنى عشرية طالما ادعوا النص الصريح على خلافة علي وأنه هو الوصي والمستحق الوحيد لهذا المنصب, وأن النصوص متضافرة في إثبات ذلك, وهذا الحديث يدحض قولهم, إذ فيه أن النبي × دعا قومه لنصرته وأن من يقبل نصرته فسيصبح أخاه ووصيه وخليفته من بعده, ولم يخص عليًا بذلك بل وأعرض عنه ثلاث مرات, ولما لم يجد ناصرًا غير علي قال له ما قال, وهذا يدل على أن عليًا لا يستحق هذا المنصب ابتداء وأن النبي × اضطر مع إحجام قومه أن يجعل هذا الأمر في علي, فهل هذا يتوافق مع ما يدعيه القوم من أن عليًا منصوص عليه من قبل السماء(71).
3- حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها وأحاديث أخرى موضوعة: والأحاديث الموضوعة في هذا الباب كثيرة جدًا, ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله عن النبي × أنه قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها, فهذا الخبر مطعون فيه, إذ أنكره البخاري وقال عنه يحيى ابن معين: لا أصل له وذكره ابن الجوزي في الموضوعات, وقال النووي والذهبي: إنه موضوع(72), ويقول الألباني –رحمه الله-: وحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب» موضوع, رواه العقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل, والطبراني في الكبير والحاكم عن ابن عباس ورواه ابن عدي والحاكم عن جابر رضي الله عنه(73), وكذلك حديث «من ناصب عليًا بالخلافة فهو كافر». فلا أثر له بوجه في كتب أهل السنة(74) أصلاً, وهذه النماذج تكشف عن ضعف ما استند إليه الروافض من حجج اختصاص علي رضي الله عنه وتعيينه دون غيره للخلافة, ويؤيد هذا ما ذهب إليه ابن خلدون من أن ما استدل به الشيعة الروافض من نصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم, لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة, بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم(75), وما أورده ابن حزم من أن سائر الأحاديث التي تتعلق بها الرافضة, فموضوعة يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلها(76).
ويعترف الكاتب الشيعي ابن أبي الحديد بأثر الشيعة في وضع الأحاديث لتأييد مذهبهم في الإمامة فيقول: إن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم, فلما رأت البكرية «يريد بعض السنيين» ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها «أبي بكر» أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث.. فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث, ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه, ولقد كان في فضائل علي الثابتة الصحيحة وفضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية(77), ورغم ضعف هذه الحجج وعدم قوتها فإننا نجد أن بعض الشيعة المعاصرين لا زالوا يرددونها في كتاباتهم ويستشهدون بها لإثبات معتقداتهم في الإمامة, وهذا أحد أئمتهم يذهب إلى أن الرسول يُعد غير مبلغ للرسالة لو لم يعين عليًا خليفة من بعده(78), ويقول: إن الرسول الكريم قد كلمه الله وحيًا أن يبلغ ما أنزل الله إليه, فيمن يخلفه في الناس وبحكم هذا الأمر فقد اتبع ما أمر به وعين أمير المؤمنين عليًا للخلافة(79). وقولهم هذا يناقض كل ما يدعون من آيات وأحاديث يستدلون بها على الإمامة, لأنه يلزم من قولهم هذا أنه على واقعة حديث غدير خم, لم يكن الله سبحانه وتعالى ورسوله قد نصا على إمامة علي.
ويكفي في نقد نظرية الإمامة عند الشيعة الإمامية أنه لا سند لهم فيها إلا عبد الله ابن سبأ اليهودي, الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصية من النبي ×, ومحصورة بالوحي, وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره, فقد اعترفت كتب الشيعة بأن ابن سبأ, كان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي, وأظهر البراءة من أعدائه, وكاشف مخالفيه وكفرهم(80), لأنه كان يهودي الأصل يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى, فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه(81).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم البلدان (2/289).
(2) على طريق الهجرة, عاتق البلاد, ص 61.
(3) أثر التشيع على الروايات التاريخية, عبد العزيز محمد نور ولي, ص 299.
(4) مسلم رقم (2408).
(5) سنن الترمذي رقم (3713).
(6) مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم (670) صحيح لغيره.
(7) خصائص علي رقم (79), صحيح رجاله ثقات.
(Cool المستدرك (3/110).
(9) حقبة من التاريخ, ص 182.
(10) انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (1750).
(11) مجمع الزوائد (9/127), قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الجليل بن عطية, وهو ثقة صرح بالسماع وفيه لين.
(12) مسلم رقم 1281.
(13) البزّ: الثياب, أو متاع البيت من الثياب.
(14) البداية والنهاية (5/95), السيرة النبوية لابن هشام (4/259) قال ابن كثير: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي (دلائل النبوة 5/398) رغم أنه قال عن رواية البيهقي: هذا إسناد جيد على شرط النسائي.
(15) البداية والنهاية (5/95).
(16) السلسلة الصحيحة للألباني رقم (1750).
(17) النهاية في غريب الحديث (5/228).
(18) حقبة من التاريخ, ص 185.
(19) النهاية في غريب الحديث (5/228).
(20) حقبة من التاريخ, ص 187.
(21) أضواء على دراسة السيرة النبوية, صالح الشامي, ص 114،113. أثر التشيع على الروايات التاريخية, ص 304.
(22) السلسلة الصحيحة (4/336) قال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
(23) ومع هذا الضعف جاء في كتاب المراجعات للموسوي بأنها متواترة ص 51, ونسب للشيخ سليم البشري أنه تلقى هذا القول بالقبول, ص 45, وأنه طلب المزيد وذكر صاحب المراجعات روايات أخرى أشد ضعفًا, مع الشيعة الاثنى عشرية (1/136).
(24) مع الشيعة الاثنى عشرية (1/136).
(25) فيض القدير (3/14).
(26) منهاج السنة النبوية (4/105).
(27) سنن الترمذي, كتاب المناقب رقم (3786) وفي زيد الأنماطي, والحديث له أكثر من طريق لا يخلو طريق منها من كلام مع اختلاف المتون.
(28), (29), (30) حقبة من التاريخ, ص 203.
(31) البخاري رقم (3445).
(32) البخاري رقم (3671).
(33) حقبة من التاريخ, ص 204.
(34) مستدرك الحاكم (1/93).
(35) سُنن أبي داود (4/201) الترمذي حسن صحيح.
(36) صحيح سنن الترمذي للألباني (3/200).
(37) سُنن الترمذي رقم (3805).
(38) حقبة من التاريخ, ص 205.
(38) رجال الكشي, ص 52 نقلاً عن حقبة من التاريخ ص 205.
(39) بحار الأنوار (46/194), اتهموه أنه كان يشرب الخمر, حقبة من التاريخ, ص 205.
(40) الكافي (1/504) اتهموه بأنه فاجر ماجن شريب للخمور, حقبة من التاريخ, ص 205.
(41) حقبة من التاريخ, ص 205.
(42) فضائل الصحابة (2/702) حديث رقم 967.
(43) ثم أبصرت الحقيقة, ص 200.
(44) ثم أبصرت الحقيقة, ص 201, كذلك الرواية في كتب أهل السنة, الاعتقاد للبيهقي ص 183،182, ومن كتب الشيعة, بصائر المؤمنين للصفار, ص 153-156.
(45) ثم أبصرت الحقيقة, ص201.
(46) المرتضى للندوي, ص 55.
(47) مسلم.
(48) البخاري رقم (2404).
(49) ثم أبصرت الحقيقة, ص 215.
(50) السيرة النبوية لابن هشام (2/806،804,650).
(51) ثم أبصرت الحقيقة, ص 215.
(52) مسند أحمد (1/383) إسناده صحيح.
(53) حقبة من التاريخ, ص 200.
(54) شرح صحيح مسلم (13/174).
(55) الفصل (4/160،159).
(56) فتح الباري (7/74), الانتصار للصحب والآل, ص 540.
(57) منهاج السنة (7/330-332), مجموع الفتاوى (4/416).
(58), (59) دراسات في عهد النبوة للشجاع, ص 270.
(60) المستدرك (3/131،130) ضعيف من حيث السند والمتن.
(61)البداية والنهاية (4/354).
(62) العلل المتناهية (1/225 , 234).
(63) منهاج السنة (4/99).
(64) تحفة الأحوذي (10/24).
(65) مع أن عمره آنذاك ما يقارب عشر سنوات.
(66) المراجعات المراجعة (1/350) من كتاب الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات, أبو مريم بن محمد الأعظمي.
(67) المجروحين لابن حبان, ص 13.
(68) الضعفاء والمتروكين للنسائي, ص 210.
(69) ميزان الاعتدال (2/457).
(70) البخاري رقم (4492).
(71) ثم أبصرت الحقيقة, ص 224.
(72) الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة, ص 71 رقم (257), الفتاوى (4/410).
(73) ضعيف الجامع الصغير (2/13) رقم (1416).
(74) منهاج السنة (4/108،107) دراسة عن الفرق, جلي, ص 195.
(75) المقدمة, ابن خلدون, ص 197.
(76) الفصل, ابن حزم (4/148).
(77) شرح نهج البلاغة (11/48-50) نقلاً عن دراسة عن الفرق, لشيخي الدكتور أحمد جلي, ص 195-196.
(78) دراسة عن الفرق ص 196.
(79) الحكومة الإسلامية للخميني ص 43،42, دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين, ص 196.
(80) رجال الكشي ص 109،108, أصول مذهب الشيعة الإمامية (2/792).
(81) أصول مذهب الشيعة (2/792).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:48 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (7)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها

رابعًا: التوحيد والشيعة الإثنا عشرية:

جعل الشيعة العقيدة في الإمام أساسًا لمذهبهم وركنًا من أركان الدين, وأصبح الإمام عندهم جزءًا من العقيدة, وينسب الشيعة إلى بعض أئمتهم القول بأن من أصبح من هذه الأمة لا إمام له أصبح ضالاً تائهًا, وأن مات على هذا الحال مات ميتة جاهلية(1), ذلك لأن الإمام في تصور الشيعة يختلف اختلافًا كليًا عن تصور المسلمين جميعًا لخليفتهم, إذ أن المسلمين يعدون الإمام أو خليفة المسلمين شخصًا عاديًا في تكوينه ومعارفه, وأن دوره لا يتجاوز دور المنفذ لشرع الله وأنه يعرض له الخطأ والانحراف, كما يعرض لسائر الناس فيُقَوَّم ويعارض إذا خالف أمر الله, وفوق هذا, فإن الخليفة يختار وينتخب من قبل الجماعة المسلمة وفقًا لمبدأ الشورى(2), وخلافًا لهذا التصور يذهب الشيعة إلى أن الأئمة كانوا قبل هذا العالم أنوارًا, وأن لهم ولاية تكوينية إلى جانب الولاية الحكمية, وقد نسبوا إلى رسول الله حديثًا أسندوه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه(3), ويقول أحد أئمة الشيعة المعاصرين: وثبوت الولاية والحاكمية للإمام, لا يعني تجرده من منزلته التي هي له عند الله ولا تجعله مثل من عداه من الحكام, فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون, وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل, وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث, فإن الرسول الأعظم × والأئمة –عليهم السلام- كانوا قبل هذا العالم أنوارًا, فجعلهم الله بعرشه محدقين, وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله, وقد قال جبرائيل –كما ورد في روايات المعراج- لو دنوت أنملة لاحترقت, وقد ورد عنهم عليهم السلام إن لنا حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل(4).
وبناء على هذا التصور للإمام فإن دوره لا يقف عند تنفيذ شرع الله بل له هيمنه على شئون الكون ومجرياته, فعلي عندهم الحاكم المهيمن الشرعي على شئون البلاد والعباد, وأن الملائكة تخضع له, ويخضع له الناس حتى الأعداء منهم, لأنهم يخضعون للحق في قيامه, وقعوده في كلامه وصمته, وفي خطبه وصلواته وحروبه(5), وقد أثر اعتقاد الشيعة في الأئمة على عقيدتها في توحيد الله سبحانه بسبب الغلو, وإليك بيان ذلك:
1- نصوص التوحيد جعلوها في ولاية الأئمة: فأول ما نفاجأ به أن نصوص القرآن التي تأمر بعبادة الله وحده, غيروا معناها إلى الإيمان بإمامة علي والأئمة, والنصوص التي تنهى عن الشرك جعلوا المقصود بها الشرك في ولاية الأئمة, ففي قوله تعالى: +وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" [الزمر:65].
جاء في الكافي(6)–أصح كتاب عندهم في الرواية-, وفي تفسير القمي (7) -عمدة تفاسيرهم- وفي غيرهما من مصادرهم المعتمدة(Cool, تفسيرها بما يلي: يعني إن أشركت في الولاية غيره(9), وفي لفظ آخر: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك (10). وقد ساق صاحب البرهان في تفسير القرآن أربع روايات لهم في تفسير الآية السابقة بالمعنى المذكور (11), وقد جاء في سبب نزولها عندهم: أن الله عز وجل حيث أوحى إلى نبيه × أن يقيم عليًا للناس علمًا اندس إليه معاذ بن جبل فقال: أشرك في ولايته الأول والثاني (يعنون أبا بكر وعمر), حتى يسكن الناس إلى قولك ويصدقوك, فلما أنزل الله عز وجل +يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ" [المائدة:67], شكا رسول الله إلى جبرائيل فقال: إن الناس يكذبونني ولا يقبلون مني, فأنزل الله عز وجل: +وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" [الزمر:65], وحتى يدرك القارئ مدى تحريفهم لآيات الله وتآمرهم لتغيير الآية وما قبلها وما بعدها وتتبع ذلك بيان معناها قال تعالى: +قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ  وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" [الزمر: 64-66], فالآية كما هو واضح من سياقها تتعلق بتوحيد الله في عبادته, فهم غيروا الأمر فاعتبروا الآية متعلقة بعلي, مع أنه ليس له ذكر في الآية أصلاً, فكأنهم جعلوه هو المعبر عنه بلفظ الجلالة (الله) وجعلوا (العبادة) هي الولاية, والآية واضحة المعنى بينة الدلالة, ليس بين معناها وتأويلهم المذكور أدنى صلة(12), قال أهل العلم في تفسيرها: إن الله سبحانه أمر نبيه أن يقول هذا للمشركين لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام, وقالوا: هو دين آبائك(13), والمعنى: قل يا محمد لمشركي قومك: أتأمرونني بعبادة غير الله أيها الجاهلون بالله, ولا تصلح العبادة لشيء سواه سبحانه. ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا عن غبي جاهل ناداهم بالوصف المقتضي ذلك فقال: +أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ" [الزمر: 64], ثم بين سبحانه أنه قد أوحى إلى نبيه وإلى الرسل من قبله: لئن أشركت بالله ليبطلن عملك. وهذا في بيان خطر الشرك وشناعته, وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه؟, ثم قال سبحانه: +بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ" لا تعبد ما أمرك به المشركون بل اعبد الله وحده دون كل ما سواه من الآلهة الباطلة والأوثان(14). فالمعنى كما ترى واضح جلي, لا يلتبس إلا على صاحب هوى مغرض, قد أعماه هواه عن رؤية الحق.. فهذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات كان جل همها, وغاية قصدها البحث عن سند لدعواهم في الإمامة في القرآن الكريم حتى ولو حرفوا آيات الله, فكانت تخبط في هذا الأمر خبط عشواء, لا تستند في الاستدلال إلى أصل في لغة أو عقل فضلاً عن الشرع والدين, كما يظهر في النص الإساءة للنبي × بتصويره في موقف الخائف الوجل من قومه, المتردد في تنفيذ أمر ربه, حتى إنه لم يفارق هذا الموقف إلا حينما نزل عليه التهديد بإحباط عمله(15).
2- الولاية أصل قبول الأعمال عندهم: قالوا: إن الله عز وجل نصب عليًا علمًا بينه وبين خلقه, فمن عرفه كان مؤمنًا ومن أنكره كان كافرًا, ومن جهله كان ضالاً, ومن نصب معه شيئًا كان مشركًا, ومن جاء بولايته دخل الجنة(16), وقالوا: فإن من أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته, وصومه, وزكاته وحجه, وإن من لم يقر بولايتنا بين يدي الله عز وجل لم يقبل الله عز وجل شيئًا من أعماله(17), وزعموا أن جبرائيل عليه السلام نزل على النبي × فقال: يا محمد, السلام يقرئك السلام ويقول: خلقت السماوات السبع وما فيهن, والأرضين السبع وما عليهن, وما خلقت موضعًا أعظم من الركن والمقام, ولو أن عبدًا دعاني هناك منذ خلقت السماوات والأرضين ثم لقيني جاحدًا لولاية علي لأكببته في سقر(18), والرويات في هذا المعنى كثيرة باطلة لا يصح منها شيء, وكل هذه الروايات ليست من الإسلام في شيء, فأمامنا كتاب الله سبحانه ليس فيه مما يدعون شيء وهو الفيصل الأول, والمرجح الأول في كل خلاف, فالقرآن الكريم ذكر أن أصل قبول الأعمال هو التوحيد وسبب الحرمان هو الشرك, قال تعالى: +مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ" [المائدة:72], وقوله: +إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاء" [النساء:48], وكل ما ذكر من مبالغات الشيعة تكذبها آيات القرآن, فالله سبحانه يقول: +مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [المائدة: 69], وهم يزعمون أن ولاية الاثنى عشر أعظم من الصلاة وسائر أركان الإسلام, والصلاة ذكرت في القرآن بلفظ صريح واضح في أكثر من ثمانين موضعًا, ولم تذكر ولايتهم مرة واحدة, فهل أراد الله جل شأنه ضلال عباده, أو لم يبين لهم طريق الوصول إليه, سبحانه هذا بهتان عظيم: +وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ" [التوبة:115], وقد جاء في رواياتهم ما ينقض ما قالوه, وإن كانت لا تلبث تأويلاتهم, أو تقيتهم من وأد مثل هذه النصوص المعتدلة, ولكن نذكر ذلك لعل عاقلاً يتعظ, أو غافلاً ينتبه, أو نائمًا يستيقظ, ولإقامة الحجة على المعاند من كتبهم, وبيان ما عليه نصوصهم من تناقض.. جاء في تفسير فرات: قال علي بن أبي طالب: سمعت رسول الله × يقول لما نزلت +قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى" [الشورى:23] قال جبرائيل: يا محمد إن لكل دين أصلاً ودعامة, وفرعًا وبنيانًا, وإن أصل الدين ودعامته قول: لا إله إلا الله, وإن فرعه وبنيانه محبتكم أهل البيت وموالاتكم فيما وافق الحق ودعا إليه(19).
فهذا النص يخالف ما تذهب إليه أخبارهم, حين يجعل أصل الدين شهادة التوحيد لا الولاية, ويعد محبة أهل البيت هي الفرع وهي مشروطة بمن وافق الحق منهم ودعا إليه(20).
3- اعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله وخلقه: تقول الشيعة الإمامية: إن الأئمة الاثنى عشرية هم الواسطة بين الله وخلقه, قال المجلسي عن أئمته: فإنهم حجب الرب والوسائط بينه وبين الخلق(21), وعقد لذلك بابًا بعنوان: باب أن الناس لا يهتدون إلا بهم, وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله, وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم(22), وجاء في كتاب عقائد الإمامية أن الأئمة الاثنى عشر هم: أبواب الله والسبل إليه.. إنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق(23), ومن المسائل الموجودة في كتبهم ومصادرهم والتي هي تصب في هذه المعاني:
أ- قولهم: لا هداية للناس إلا بالأئمة: قال أبو عبد الله –على حد زعمهم- بلية الناس عظيمة, إن دعوناهم لم يُجيبونا, وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا(24). وتقول أخبارهم: قال أبو جعفر: بنا عُبِد الله, وبنا عُرِف الله, وبنا وُحِّد الله(25), فهذه النصوص لا تنفي الهداية عن الأمة, ولكن تجعل مصدرها الأئمة والحق أن الهداية بمعنى التوفيق إلى الحق وقبوله, لا يملكها إلا رب العباد, ومقلب القلوب والأبصار والذي يحول بين المرء وقلبه, والذي إذا قال للشيء: كن فيكون.. والشيعة في إطلاقها هذه العبارات بلا أي قيد تجعل لأئمتها مشاركة لله في هذه الهداية, والله سبحانه هو الهادي وحده لا شريك له(26), قال تعالى: +مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا" [الكهف: 17] ويقول لنبيه ×: +إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ" [القصص:56], أما هداية الدلالة على الحق والإرشاد إليه فهذه وظيفة الرسل ومن تبعهم بإحسان, ولا تنحصر في الاثنى عشر +قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي" [يوسف:108], وإطلاق القول بأن هداية العباد لا تتم إلا بالأئمة جرأة على الله(27).
ب- قولهم: لا يُقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة: قالوا: لا يفلح من دعا بغير الأئمة, ومن فعل ذلك فقد هلك, جاء في أخبارهم عن الأئمة: من دعا الله بنا أفلح, ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك(28), وبلغت جرأتهم في هذا الباب أن قالوا: إن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم, صلوات الله عليهم أجمعين(29), هذا ما تقوله الشيعة الرافضة وتفتريه, لكن الله يقول: +وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا" [الأعراف:180], ولم يقل سبحانه: فادعوه بأسماء الأئمة ومقامات الأئمة أو مشاهدهم. كما قال جل شأنه: +وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [غافر:60], ولو كان أساس قبول الدعاء ذكر أسماء الأئمة لقال: ادعوني بأسماء الأئمة استجب لكم, بل إن هذا الأمر الذي تدعيه الشيعة وتفتريه من أسباب رد الدعاء وعدم قبوله, لأن الإخلاص في الدعاء لله أصل في الإجابة والقبول, قال تعالى: +فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [غافر:14], +وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" [الأعراف: 29] وهؤلاء الأئمة من سائر البشر +إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [الأعراف:194], ولم يجعل الله عز وجل بينه وبين خلقه في عبادته ودعائه وليًا صالحًا, ولا ملكًا مقربًا, ولا نبيًا مرسلاً, بل الجميع عباد الله +لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ" [النساء:172] وقوله: +إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا" [مريم:93].
وأما دعوى أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل بالأئمة فهي دعوى باطلة, إنما الأنبياء دعوا الله عز وجل باسمه سبحانه وبوحدانيته جل شأنه, وأيوب عليه السلام توسل بأسماء الله الحسنى وأنه –عز وجل- أرحم الراحمين +وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ" [الأنبياء:84،83], وأما يونس عليه السلام فتوسل لله بوحدانيته, قال تعالى: +وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ" [الأنبياء:88،87].
والكلمات التي قالها آدم عليه السلام وزوجه هي كما قال الله سبحانه: +قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الأعراف:23].
وهذه المقالة من الشيعة معلومة فسادها من الدين بالضرورة وقد نقلت كتب الشيعة نفسها ما يناقض هذه الدعوة عن الأئمة في مناجاتهم لله ودعائهم له, وما من إمام إلا قد رووا عنه الكثير من الدعاء ومناجاته وقد أتى على أكثره المجلسي في بحاره(30).
ج- قولهم: إن الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى بيت الله: قال ابن تيمية رحمه الله: حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق, فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله وحده, وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت(31), وجاء في الكافي وغيره: إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة, وأفضل من عشرين عمرة وحجة(32), وخصت الروايات الشيعية الموضوعة زيارة الحسين يوم عرفة بفضل خاص, تقول: من أتى الحسين عارفًا بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات.. ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له عشرين حجة ومائة عمرة, ومن أتاه يوم عرفة عارفًا بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات, وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل(33). وليست زيارة قبر الحسين عند هؤلاء أفضل من الحج فحسب, بل هي أفضل الأعمال, جاء في رواياتهم: إن زيارة قبر الحسين أفضل ما يكون من الأعمال(34), وفي رواية أخرى: من أحب الأعمال زيارة قبر الحسين(35).
وهكذا تنسى شرائع الإسلام وأوامره, ويهتم بالقبور والأضرحة, ويجعلونها من أفضل الأعمال بلا دليل إلا ما صنعته أوهامهم, وأوحاه لهم شياطينهم, ليشرعوا من الدين ما لم يشرعه الله(36).
وقد جعل هؤلاء القوم زيارة الأضرحة فريضة من فرائض مذهبهم ووضعوا لها مناسك كمناسك الحج إلى بيت الله الحرام, قال ابن تيمية –رحمه الله-: وقد صنف شيخهم ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد كتابًا سماه «مناسك المشاهد» جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قيامًا للناس, وهو أول بيت وضع للناس, فلا يطاف إلا به ولا يصلى إلا إليه, ولم يؤمر إلا بحجه(37), ومن رجع إلى مصادر الشيعة الرافضة التي تتحدث عن المشاهد يرى العجب العجاب, والانحراف عن كتاب الله وهدي الرسول ×, ومن أراد التوسع فلينظر إلى كتاب أصول مذهب الشيعة الإمامية(38).
إن للمسلمين كعبة واحدة يتجهون إليها في صلاتهم ودعائهم, ويحجون إليها, ويطوفون بها, أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد عبارة عن أضرحة الموتى من الأئمة(39), وهذا كله مما نهى الله عنه ورسوله, وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهي عنه سواء أكان فاعله منتسبًا إلى السنة أم إلى التشيع, وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي × لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين, بل هذا من دين المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: +وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا" [نوح: 23].
قال ابن عباس وغيره: هؤلاء.. أسماء رجال صالحين من قوم نوح, فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا, وسموها بأسمائهم, ففعلوا, فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت(40). وقد قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ×؟ «أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته, ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته»( ), وهذا المعنى أقرت به بعض روايات الشيعة, فقد روى الكليني عن أبي عبد الله, قال أمير المؤمنين: بعثني رسول الله × إلى المدينة فقال: «لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرًا إلا سويته»(41), وعن أبي عبد الله قال: نهى رسول الله × وآله أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه(42), وعن أبي عبد الله قال: لا تبنوا على القبور.. فإن رسول الله × كره ذلك(43), وعنه أيضًا أن آبائه عن رسول الله نهى أن تجصص المقابر(44).
وقد زعم الحر العاملي أن هذا النهي يشمل كل قبر غير قبر النبي × والأئمة عليهم السلام, وأن هذا النهي لمجرد الكراهة(45), وصيغة العموم واضحة في هذه الروايات, كما أن دلالة التحريم بينة, ولا دليل عند العاملي سوى ما شذت به طائفته في واقعها وفي جملة من رواياتها, والشذوذ دليل على البطلان لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله × وإجماع الأمة بمن فيهم أهل البيت الذين أُثر عنهم التحذير من ذلك, لأن ذلك وسيلة للشرك بالله, ثم إن الحكمة التي ورد من أجلها النهي لا تفرق بين قبر وقبر, وقد يكون الخطر في قبور الأئمة أشد لعظيم الافتتان بهم, ولهذا كان أصل الشرك هو الغلو في الصالحين(46).
4- قولهم: إن الإمام يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء: تزعم الشيعة الإمامية في رواياتها أن الله سبحانه وتعالى خلق محمدًا وعليًا وفاطمة, فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم, فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون(47). شرح شيخهم المجلسي النص السابق: فقال: وأجرى طاعتهم عليها, أي أوجب وألزم على جميع الأشياء طاعتهم حتى الجمادات من السماويات والأرضيات, كشق القمر وإقبال الشجر وتسبيح الحصى وأمثالها مما لا يحصى, وفوض أمورها إليهم من التحليل والتحريم والعطاء والمنع(48)... وجاءت الرواية عندهم صريحة بهذا فيما ذكره المفيد في الاختصاص, والمجلسي في البحار وغيرهما عن أبي جعفر قال: من أحللنا له شيئًا أصابه من أعمال الظالمين(49) فهو حلال لأن الأئمة منا مفوض إليهم, فما أحلوا فهو حلال, وما حرموا فهو حرام(50), ومن المعلوم في كتاب الله وسنة رسوله × أن من أصول التوحيد الإيمان بأن الله سبحانه هو المشرع وحده سبحانه يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء, لا شريك له في ذلك, ورسل الله يبلغون شرع الله لعباده, ومن ادعى أن له إمامًا يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء فهو داخل في قوله سبحانه: +أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ"
[الشورى:21].
إن حق التشريع لا يملكه إلا رب العباد, والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هم مبلغون عن الله سبحانه لا يحرمون ولا يحلون إلا ما يأمرهم الله به, ويوحيه إليهم, وقد قال الله جل شأنه فيمن اتبع مشايخه فيما يحلون ويحرمون من دون شرع الله وحكمه, قال سبحانه: +اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ" [التوبة:31], فجعل سبحانه اتباعهم فيما يُحلون من الحرام ويُحرمون من الحلال كما جاء في تفسير الآية(51) عبادة لهم, حيث تلقوا الحلال والحرام من جهتهم, وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل(52).
5- قولهم: بأن الدنيا والآخرة كلها للإمام يتصرف بهما كيف يشاء: عقد صاحب الكافي لهذا بابًا بعنوان: باب أن الأرض كلها للإمام(53), ومما جاء فيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أما علمت أن الدنيا للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله(54).
فهذا النص شرك في ربوبية الله سبحانه, لأن الله جل شأنه يقول: +أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" [البقرة: 107], ويقول سبحانه: +وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [المائدة:18], ويقول جل شأنه: +للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ" [المائدة:120], وقال: +الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" [الفرقان:2], وقال سبحانه: +فَلِلَّهِ الآَخِرَةُ وَالأُولَى" [النجم: 25], كما قال سبحانه: +قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" [سبأ:24], وقال سبحانه: +هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" [فاطر:3], وقال: +فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ" [العنكبوت:17]. فهو سبحانه قد تفرد بالملك والرزق والتدبير, لا شريك له في ذلك(55).
6- إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة: عن سماعة بن مهران قال: كنت عند عبد الله عليه السلام, فأرعدت السماء وأبرقت, فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم, قلت: من صاحبنا؟, قال: أمير المؤمنين عليه السلام(56), يعني: كل ما وقع من رعد وبرق فهو من أمر علي, لا من أمر الواحد القهار, فماذا يستنبط المسلم المنصف من هذه الرواية, والله جل شأنه يقول: +هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ" [الرعد: 12]؟, أليست هذه هي السبئية قد أطلت برأسها المشوه من خلال كتب الاثنى عشرية؟, أليس هذا ادعاء لربوبية علي رضي الله عنه, أو أن له شركًا في الربوبية؟, كيف يتجرأ قلم المجلسي ومن قبله المفيد على كتابة هذه الأسطورة ونسبتها إلى جعفر؟, فإن هذا الإيحاء لا يخفى على أمثالهم, ولا يؤمن بهذا ويدعو إليه إلا كل زنديق ومُلحد, والعجب من قوم يستقون دينهم من كتب حوت هذا الغثاء, ويعظمون شيوخًا يجاهرون بهذا البلاء, أليس في هذه الطائفة من صاحب عقل ودين يعلن الصيحة والنكير على هذا الضلال المنتشر والكفر المبين, ويبرئ أهل البيت الأطهار من هذا الدرن القاتل وينقي ثوب التشيع مما لطخه به شيوخ الدولة الصفوية من كُفر وضلال, أم أن كل صوت صادق إما أن يعاجل بالقتل كما فعلوا مع الكسروي, أو يحمل قوله على التقية كما صنعوا في الكثير من رواياتهم, وطائفة من أقوال شيوخهم, فهل وصل هذا المذهب في سبيل دعوته إلى نور الحق إلى طريق مسدود(57)؟.
7- الجزء الإلهي الذي حل في الأئمة: وترد روايات عند الشيعة الإمامية تدعي بأن جزءًا من النور الإلهي حل بعلي(58), قال أبو عبد الله: ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا(59), ولكن الله خلطنا بنفسه(60), وهذا الجزء الإلهي الذي في الأئمة –كما يزعمون- أعطوا به قدرات مطلقة, ولذلك فإن من يقرأ ما يسمونه معجزات الأئمة –وتبلغ مئات الروايات- يلاحظ أن الأئمة أصبحوا كرب العالمين –تعالى وتقدس عما يقولون- في الإحياء والإماتة والخلق والرزق(61), إلا أن رواياتهم تربط هذا بأنه من الله كنوع من التلبيس والإيهام, ويكفي في فساده مجرد تصوره, إذ هو مُخالف للنقل والعقل والسنن الكونية, كما هو منقوض بواقع الأئمة وإقراراتهم, حيث يزعم الشيعة أن الأئمة عاشوا مظلومين ومضطهدين, ورسول الهدى × يقول –كما أمره ربه- +قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ" [الأعراف:188].
ومن الطريف أن كتب الشيعة مع تعظيم الأئمة والغلو فيهم تروي ما يخالف هذا, لتثبت تناقضها فيما تقول, كالعادة في كل كذب وباطل, فقد جاء في رجال الكشي أن جعفر ابن محمد قال: فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا, ما نقدر على ضر ولا نفع, وإن رحمنا فبرحمته, وإن عذبنا فبذنوبنا, والله ما لنا على الله حجة, ولا معنا من الله براءة, ولنا لميتون ومقبورون, ومنشورون, ومبعوثون وموقوفون ومسئولون, ويلهم, مالهم لعنهم الله فقد آذوا الله وآذوا رسوله × في قبره, وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسن ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله ×, وما معي براءة من الله, إن أطعته رحمني وإن عصيته عذبني عذابًا شديدًا(62). ولكن شيوخ الشيعة يعدون مثل هذه الإقرارات من باب التقية, فأضلوا قومهم سواء السبيل, وأصبح مذهب الشيعة مذهب الشيوخ لا مذهب الأئمة(63).
8- قولهم: إن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء: عقد لذلك صاحب الكافي بابًا بعنوان: «باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء»(64), وضمه طائفة من رواياتهم, وعقد بابًا آخر بعنوان «باب أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا»(65), وذكر فيه جملة من أحاديثهم, ومن روايات هذه الأبواب(66): قال أبو عبد الله –كما يكذبون-: إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار, وأعلم ما كان وما يكون(67), وعن سيف التمار قال: كان مع أبي عبد الله رضي الله عنه جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا, فقلنا: ليس علينا عين, فقال: ورب الكعبة ورب البنية –ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما, لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان, ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة, وقد ورثناه من رسول الله × وآله وراثة(68).
فهذا نموذج من غلو الشيعة الرافضة, وهذا بعض ما عندهم, فالغلو أساس مذهبهم وأصله, وقد نهى الله عز وجل وحذر من الغلو لما فيه من منافاة التوحيد وأصل الشرك قديمًا وحديثًا, قال تعالى: +قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ" [المائدة:77], قال ابن كثير –رحمه الله- في تفسيره هذه الآية: أي لا تجاوز الحد في اتباع الحق, ولا تطروا من أمرتكم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله, وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا +قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ" [المائدة:77] أي خرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال(69), وقال تعالى: +يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ" [النساء:171], فالله عز وجل في هاتين الآيتين ينهى عن الغلو والإطراء وتجاوز الحد, وفيه رد صريح على الشيعة الرافضة وكل من سلك هذا المسلك تجاه من يعظهم, وقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا × أن يُبين للناس أنه لا يملك لنفسه شيئًا وأن النفع والضر بيد الله, وأن علم الغيب لا يعلمه إلا الله, قال تعالى: +قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ" [الأنعام:50]. وقال تعالى: +قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ" [الأعراف: 188], فالله عز وجل أمره أن يفوض الأمور إليه وأن يخبرهم عن نفسه أنه لا يعلم غيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك(70).
كل ذلك سدًا للطرق الموصلة إلى الغلو فيه ×, وتحذيرًا لأمته أن يغلوا فيه كما غالت اليهود والنصارى في أنبيائهم, فإذا كان هذا في حق سيد الخلق, وأعظمهم منزلة عند الله فغيره من باب أولى.
وبهذا يظهر بطلان دعوى الرافضة في الأئمة وزعمهم أنهم يعلمون الغيب ويعلمون ما كان وما سيكون, وجعلهم شركاء لله في الخلق والإحياء وفي الأسماء والصفات, وكيف يستقيم لهم ذلك مع قوله تعالى أيضًا في غير ما آية من كتابه العزيز, قال تعالى: +وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" [لقمان:34]. وقال تعالى: +يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ" [المائدة:109].
وقال تعالى: +اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" [الرعد:8], وقال تعالى: +ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى" [الحج:6], وقال تعالى: +وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ" [الأنعام:59], وقوله تعالى: +وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران:189], وقوله تعالى: +تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الملك:1], وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الباب والتي تثبت تفرده جل وعلا بعلم الغيب والتصرف بالكون, فمن نسب شيئًا من ذلك إلى أحد من المخلوقين فقد نازع الله في ربوبيته وألوهيته وهوى في الشرك, فأنى له الإسلام مع ذلك, قال تعالى: +إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ" [النساء:48], وقال: +إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ" [المائدة:72], وذلك أن الله عز وجل خلق الخلق لعبادته, قال تعالى: +وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات:56], أي ليوحدوه فأرسل الرسل, وأنزل الكتب من أجل إفراده بالعبادة, قال تعالى: +وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [النحل:36] والغلو ينافي تحقيق العبادة(71), وكما حذر الله عز وجل من الغلو بكل مظاهره وصوره, فقد حذر النبي × أيضًا حماية لتوحيد الله وسدًا لكل ذريعة, تكون سببًا في نقص توحيده, لأن الغلو مطية الشرك ووسيلته وما دب في أمة إلا أهلكها, فقال × محذرًا أمته من هذا الداء: «إياكم والغلو, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»(72), وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر سمعت النبي × يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, فإنما أنا عبد, فقولوا عبد الله ورسوله»(73), فالنبي × يحذر أمته من الغلو ومجاوزة الحد في مدحه, كما فعلت النصارى في عيسى عليه السلام, ويأمر × أن يوصف بصفة العبودية والتي قد وصفه الله بها في الإسراء فقال: +سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً" [الإسراء:1], كما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه فقال: +وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" [الجن:19], وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه فقال: +تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ" [الفرقان:1], فتلك ثلاثة مقامات من أشرف المقامات وصفه ومدحه ربه جل وعلا فيها بصفة العبودية له, فأين الشيعة الرافضة من تلك الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الغلو والتحذير منه, الداعية إلى تحقيق العبودية؟.
إن الناظر إلى أقوال أمير المؤمنين علي وأبنائه رضي الله عنهم, يجد فيها الرد البليغ على هذا الغلو والإفراط وبراءتهم من أقوال الشيعة الرافضة وكل من غالى فيهم, كما تبين كذب تلك الروايات المنسوبة إليهم وضلالها(74). فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي × يُسر إليك؟, قال: فغضب وقال: ما كان النبي × يسر إلي شيئًا يكتمه عن الناس, غير أنه قد حدثني بكلمات أربع, قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟, قال: «لعن الله من لعن والده, ولعن الله من ذبح لغير الله, ولعن الله من آوى محدثًا, ولعن الله من غيَّر منار الأرض». وفي رواية: أخصَّكم رسول الله ×؟ فقال: ما خصنا رسول الله × بشيء(75).
وفي رواية عند الإمام أحمد:... ما عهد إليّ رسول الله × شيئًا خاصة دون الناس(76), وروى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟, قال: لا, إلا كتاب الله, أو فهم أعطيه رجل مسلم, أو ما في هذه الصحيفة, قال: قلت: فما هذه الصحيفة؟, قال: العقل, وفكاك الأسير, ولا يقتل مسلم بكافر(77), وفي رواية: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟, قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة, ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله(78)... قال ابن حجر: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت –لاسيما عليًا- أشياء من الوحي خصهم النبي × بها لم يطلع غيرهم عليها(79), وقال ابن تيمية –رحمه الله- عقب إيراده لهذا الحديث: والكتب المنسوبة إلى علي, أو غيره من أهل البيت في الإخبار بالمستقبلات كلها كذب مثل كتاب الجفر والبطاقة وغير ذلك, وكذلك ما يضاف إليه من أنه عنده علم من النبي × خصه به دون غيره من الصحابة, وكذلك ما ينقل عن غير علي من الصحابة, أن النبي × خصه بشيء من علم الدين الباطن, كل ذلك باطل(80).
ومما يبين بطلان ذلك, ما روى ابن سعد عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال عن سعيد بن جبير –رحمهما الله-: ذلك رجل كان يمر بنا فنسأله عن الفرائض وأشياء مما ينفعنا الله بها, إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء, وأشار بيده إلى العراق(81). وجاء عن محمد ابن الحنفية محذرًا الشيعة الرافضة مما تنسبه إليهم من علم خصهم به رسول الله × حيث قال: إنا والله ما ورثنا من رسول الله × إلا ما بين اللوحين(82), وقد تواتر عن آل البيت أنهم كانوا يقولون لشيعتهم: أيها الناس أحبونا حب الإسلام, فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا(83). وزيادة على ذلك فقد جاء في كتب الشيعة الرافضة التحذير من الغلو وبراءة آل البيت من ذلك, فقد روى المجلسي بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إياكم والغلو فينا, قولوا إنا عبيد مربوبون(84). وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: اللهم إني برئ من الغلاة كبراءة عيسى ابن مريم من النصارى, اللهم اخذلهم أبدًا, ولا تنصر منهم أحدًا(85).
روى الكليني بسنده عن سديد قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزار وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله إذ خرج إلينا وهو مغضب, فلما أخذ في مجلسه قال: يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب, ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل. لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي(86). وروى الكشي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إنهم يقولون. قال وما يقولون؟ قلت: يقولون تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب, فرفع يده إلى السماء وقال: سبحان الله, لا والله ما يعلم هذا إلا الله(87). فهذه أقوال أئمة آل البيت الطيبين الطاهرين, كما صرحت بذلك كتب الشيعة الرافضة وهم براء مما ترميهم به الشيعة الرافضة, إذ الرافضة من أكذب خلق الله, فالنفاق دينهم والكذب ديدنهم, ولذلك قال ابن تيمية –رحمه الله- إنهم من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات(88).
إن روايات الشيعة تكشف نفسها وتتناقض نصوصها, وقول الأئمة إنهم مصدر الرزق وإنزال الغيث.. إلخ, والذي يرويه شيوخ الاثنى عشرية هو من مخلفات غلاة الشيعة, والذين أنكر الأئمة مذهبهم, فقد جاء عن أخبارهم أن أبا عبد الله قال حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد. قال: والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله ولقد احتجت إلى الطعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم, فعندها طابت نفسي, لعنه الله وبرئ منه(89).
ولكن هذه الروايات هي كالشعرة البيضاء في الثور الأسود, وفي التقية متسع لكل نص تضيق به نفوس شيوخ الشيعة, وإليك مثالاً على ذلك فاسمع ما يقوله شارح الكافي تعقيبًا على قول أبي عبد الله الذي نقلناه آنفًا, والذي يتعجب فيه أبو عبد الله من قوم نسبوا له العلم بالغيب, ويذكر للرد عليهم أن جاريته قد اختفت في داره, فلم يدر أين هي, فكيف يقال عنه إنه يعلم ما كان وما يكون؟! قال شارح الكافي:.... الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال إلهًا, أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه, وإلا فهو رضي الله عنه كان عالمًا بما كان وما يكون, فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟, فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب, قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية وقد قصدها. فإن المعنى ما علمت به علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار(90), انظر التكلف العجيب في رد هذه الرواية لإثبات أن الإمام يعلم ما كان وما يكون حتى ارتكب في سبيل ذلك نسبة الإمام إلى الكذب, وهدم أصلاً من أصولهم وهو العصمة(91). وأما شيخهم الآخر الشعراني المعلق على الشرح فلم يعجبه هذا التكلف في تأويل الرواية, ورام ردها بأقصد طريق وهو الحكم بأن الرواية كذب, وهكذا يشيعون عن علماء أهل البيت مثل هذه الإشاعات الكاذبة, فإذا أنكروا على هؤلاء الكذابين فريتهم, وفضحوا باطلهم أمام الملأ حمل شيوخ الشيعة هذا التكذيب والإنكار على التقية.. فصارت التقية حيلة بيد غلاة الشيعة لإبقاء التشيع في دائرة الغلو, ورد الحق والإساءة لأهل البيت(92), وقد ادعى زرارة بن أعين أن جعفر بن محمد يعلم أهل الجنة, وأهل النار, فأنكر ذلك جعفر لما بلغه ذلك, وكفَّر من قاله, ولكن زرارة حينما نقل له موقف جعفر قال لمحدثه: لقد عمل معك بالتقية(93).
9- الغلو في الإثبات «التجسيم»: اشتهرت ضلالة التجسيم بين اليهود, ولكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الشيعة الروافض, ولهذا قال الرازي: اليهود أكثرهم مشبهة, وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل هشام بن الحكم, وهشام بن سالم الجواليقي, ويونس بن عبد الرحمن القمي, وأبي جعفر الأحول(94), وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الاثنا عشرية في الطليعة من شيوخها, والثقات من نقلة مذهبها(95), وقد حدد ابن تيمية أول من تولى كِبر هذه الفرية من هؤلاء, فقال: وأول من عُرِف في الإسلام أنه قال: إن الله جسم هو هشام بن الحكم(96), وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين, يقول عبد القاهر البغدادي: زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه(97), وقد استفاض عن هشام بن الحكم ومن تبعه أمر الغلو في التجسيم في كتب الفرق وغيرها(98). فقد كان تشبيه الله سبحانه بخلقه كان في اليهود, وتسرب إلى التشيع, وأول من تولى كبره هشام بن الحكم, ثم تعدى أثره إلى آخرين عرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالة غالية منسوبة إليهم(99), ولكن شيوخ الاثنى عشرية يدافعون عن هؤلاء الضلال الذي استفاض خبر فتنتهم, واستطار شرهم, ويتكلفون تأويل كل بائقة منسوبة إليهم أو تكذيبها(100), وقد كان لهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي بالذات دور ظاهر في اتجاه التجسيم عند الشيعة كما تذكر ذلك مجموعة من رواياتهم(101) وكان الأئمة يتبرؤون منهما ومن قولهما, وحينما جاء بعض الشيعة إلى إمامهم وقال له: إني أقول بقول هشام. قال إمامهم أبو الحسن علي بن محمد: ما لكم وقول هشام, إنه ليس منا من زعم أن الله جسم, ونحن منه براء في الدنيا والآخرة(102), وتفصح بعض رواياتهم عما قالوه في الرب جل شأنه وتقدست أسماؤه, فهذا أحد رجالهم(103) ينقل لأبي عبد الله –كما تقول الرواية- ما عليه طائفة من الشيعة من التجسيم فيقول: إن بعض أصحابنا يزعم أن الله صورة مثل الإنسان, وقال آخر: إنه في صورة أمرد جعد قطط, فخر أبو عبد الله عليه السلام ساجدًا, ثم رفع رأسه فقال: سبحان الذي ليس كمثله شيء, ولا تدركه الأبصار, ولا يُحيط به علم(104).
فأنت ترى أن كبار متكلميهم قد غلوا في الإثبات, حتى شبهوا الله جل شأنه بخلقه وهو كفر بالله سبحانه, لأنه تكذيب لقوله سبحانه: +لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى:11], وعطلوا صفاته اللائقة به سبحانه فوصفوه بغير ما وصف به نفسه, ورواياتهم في هذا الباب كثيرة(105), فهذا الاتجاه إلى الغلو في الإثبات, قد طرأ على الإثبات الحق الذي عليه علماء أهل البيت, وأصبح المذهب يتنازعه اتجاهان اتجاه التجسيم الذي يتزعمه هشام, واتجاه التنزيه الذي عليه أهل البيت كما تشير إليه روايات الشيعة نفسها, وكما هو ثابت مستفيض في كتب أهل العلم(106).
10- التعطيل عندهم: بعد هذا الغلو في الإثبات بدأ تغير المذهب في أواخر المائة الثالثة, حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل البارئ سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة, وكثر الاتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف الرضي, وأبي جعفر الطوسي, واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة(107), وكثير مما كتبوه في ذلك منقول عن المعتزلة نقل المسطرة, وكذلك ما يذكرونه في تفسير القرآن العظيم في آيات الصفات والقدر ونحو ذلك هو منقول من تفاسير المعتزلة(108), ولهذا لا يكاد القارئ لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقًا فالعقل –كما يزعمون- هو عمدتهم فيما ذهبوا إليه, والمسائل التي يقرررها المعتزلة في هذا الباب أخذ بها شيوخ الشيعة المتأخرون, كمسألة خلق القرآن, ونفى رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة, وإنكار الصفات, بل إن الشبهات التي يثيرها المعتزلة في هذا, هي الشبهات التي يثيرها شيوخ الشيعة المتأخرون, والفرق الذي يلمسه القارئ في هذه المسألة, هو أن الشيعة أسندوا روايات إلى الأئمة تصرح بنفي الصفات وتقول بالتعطيل, فقد جاؤوا بروايات كثيرة في الأئمة يسندون بها مذهبهم في التعطيل, ويفترون على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبعض علماء أهل البيت كمحمد الباقر وجعفر الصادق بأنهم يقولون بالتعطيل, واعتبر بعض شيوخهم المعاصرين أن هذا هو عمدتهم في نفي الصفات, حيث قال تحت عنوان طريقة معرفة الصفات: هل يبقى مجال للبحث عن الصفات وهل له طريقة إلا الإذعان بكلمة أمير المؤمنين: كمال الإخلاص نفي الصفات عنه(109).
هذا والثابت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله, والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم(110), وهذا أيضًا ما تعترف به بعض روايات لهم موجودة وسط ركام هائل من التعطيل, إن مجموعة من رواياتهم وصفت رب العالمين بالصفات السلبية التي ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه, وليس هذا بجديد فهو سبيل من زاغ وحاد عن منهج الرسل عليهم السلام من المتفلسفة والجهمية وغيرهم.
إن الله سبحانه بعث رسله في صفاته بإثبات مفصل, ونفي مجمل, ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً والنفي مجملاً(111), قال تعالى: +لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الشورى:11]. فالنفي جاء مجملاً: +لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" وهذه طريقة القرآن في النفي غالبًا, قال تعالى: +هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" [مريم: 65], أي: نظيرًا يستحق مثل اسمه, ويقال: مساميًا يساميه(112), وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: هل تعلم له مثلاً أو شبيهًا(113), وقال سبحانه: +وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص:4], وأما الإثبات فيأتي التفصيل: +وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الشورى:11]. وكآخر سورة الحشر: +هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:49 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (Cool

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها
خامسًا: موقف الشيعة الإمامية من القرآن الكريم
قد كان لمعتقد الشيعة في الإمامة ومحاولة الدفاع عنها أثر كبير في دفع بعض الشيعة إلى تبني أفكار خطيرة حول القرآن والسنة, والصحابة رضوان الله عليهم, فشككوا في القرآن, وأنكروا كثيرًا من الأحاديث الثابتة, وطعنوا في الصحابة رضي الله عنهم وجرحوهم ونسبوا إليهم تعمد الكذب وتحريف كتاب الله تعالى.
1- اعتقاد بعضهم في تحريف كتاب الله عز وجل والرد عليهم: فقد زعم بعض الشيعة الرافضة أن القرآن الكريم قد حُرف وأسقطت منه بعض السور وكثير من الآيات التي أنزلت في فضائل أهل البيت والأمر باتباعهم, والنهي عن مخالفتهم وإبجاب محبتهم, وأسماء أعدائهم والطعن فيهم, ولعنهم, وقد اتهم الشيعة الصحابة رضي الله عنهم, بأنهم أسقطوا من القرآن من جملة ما أسقطوه «وجعلنا عليًا صهرك» من سورة (الشرح) والتي تشير إلى تخصيص علي بمصاهرة الرسول × دون عثمان. وقد جهل هؤلاء أن هذه السورة مكية, وأنها حين نزلت لم يكن عليّ صهرًا للرسول ×, إذ أن عليًا تزوج فاطمة بالمدينة وبعد غزوة بدر, كما سبق أن أشرنا, ويذهب الشيعة أيضًا إلى أنه من بين ما أسقط من (القرآن) سورة الولاية, ويزعمون أنها سورة طويلة قد ذُكِرَ فيها فضائل أهل البيت( ).
وهكذا تدور معظم مزاعم هذا النفر من الشيعة في القرآن حول هذه القضايا, إذ أنهم لم ينكروا حكمًا من أحكامه أو قاعدة من قواعده, ولكن تدور آراؤهم حول إسقاط بعض الآيات التي تشير إلى ولاية علي ومن بعده من الأئمة, وقد ردد هذه الافتراءات على القرآن الكريم العديد من علماء الشيعة الإمامية وعلى رأسهم حجتهم المشهور أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني ت329هـ صاحب كتاب الكافي, الذي يعتبر في حجيته لدى الشيعة في مرتبة كتاب البخاري عند أهل السنة, وقد ذكر صاحب تفسير الصافي الشيعي: إن الظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني –طاب ثراه- أنه كان يعتقد أيضًا في التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض بقدح فيها, على أنه ذكر في أول كتابه أنه يثق بما رواه فيه( ), وكتاب الكليني هذا مليء بهذه المزاعم المنحرفة, والتي تهدف في الأساس إلى إثبات إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة من بعده. ومن ذلك ما رواه الكليني عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: +وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ" –عن ولاية علي والأئمة بعده- +فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" هكذا نزلت( ), ويروي أيضًا عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له لم سمي «علي بن أبي طالب» أمير المؤمنين؟. قال: الله سماه وهكذا أنزل في كتابه: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمدًا رسولي وأن عليًا أمير المؤمنين»( ), ويروى الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: رفع إلى أبو الحسن عليه السلام مصحفًا وقال: لا تنظر فيه, ففتحته وقرأت فيه +لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا" فوجدت فيهم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فبعث إليّ بالمصحف( ), وقد زعم الكليني أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة, وأنهم (أي الأئمة) يعلمون علمه كله, فما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده( ), وقد ردد هذه الفرية التي ربطت جمع القرآن بعلي رضي الله عنه, وقد ذهب صاحب الاحتجاج إلى أنه لما توفي الرسول ×, جمع علي (عليه السلام) القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله, فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم, فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه, فأخذه عليه السلام وانصرف, ثم أحضروا زيد بن ثابت وكان قارئًا للقرآن, فقال له عمر: إن عليًا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار, وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار, فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟, قال عمر: فما الحيلة؟, قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة, فقال عمر: فما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه, فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد, فلم يقدر على ذلك( ), ولا شك أن مثل هذه الرواية من نسج خيال مريض فاسد أراد أن يتهم الصحابة بتحريف القرآن, والتآمر على حرمان علي من إمامة المسلمين وهو إذ يمدح عليًا يذمه إذ يصفه بالسكوت السلبي حينما رفض الصحابة الأخذ بقرآنه, فكيف يتفق هذا مع مواقف علي رضي الله عنه البطولية في سبيل الدفاع عن الإسلام, ويرد على مثل هذه الترهات قول علي رضي الله عنه: أعظم الناس أجرًا في المصحف أبو بكر, رحمة الله على أبي بكر, هو أول من جمع ما بين اللوحين( ), ولم يكتف الكليني بهذا, بل نسب هذه الافتراءات والمزاعم الباطلة حول التحريف في القرآن إلى جعفر الصادق, إذ ينسب إليه أنه قال: إن القرآن الذي نزل به الوحي على محمد سبعة آلاف آية, والآيات التي نتلوها ثلاث وستون ومائتان وست آلاف فقط, والباقي مخزون عند آل البيت( ), وزعم الكليني أن الصادق قال عن القرآن الذي جمعه علي بن أبي طالب في زعمه: قيل هو مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد( ), ويقولون: إن فاطمة رضي الله عنها مكثت بعد النبي خمسة وسبعين يومًا, صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله, فأرسل الله إليها جبرائيل يسليها ويعزيها ويحدثها عن أبيها, وعما يحدث لذريتها, وكان علي يستمع ويكتب ما يسمع حتى جاء به مصحفًا قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من حلال وحرام, ولكن فيه علم ما يكون( ).
ويردد عالم شيعي آخر: وهو علي بن إبراهيم القمي نفس المزاعم التي ذهب إليها الكليني ويورد عنه محمد محسن الملقب بالفيض الكاشي في تفسيره فيقول: المستفاد من الروايات عن طريق آل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله, ومنه ما هو مغير محرف وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي في كثير من المواضع ومنها لفظ (آل محمد) غير مرة, ومنها أسماء المنافقين في مواضعها, ومنها غير ذلك وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله ورسوله, وبه –أي بهذا الرأي- قال علي بن إبراهيم المسمى بالقمي –وله تفسير مليء بهذه الدعاوى والغلو فيها, وأخذ يخلط ويزعم أن هناك آيات في ولاية علي حذفت( ).
وقال صاحب كتاب بصائر الدرجات الصفّار بسنده عن أبي جعفر –على حد زعمه-: ما يستطيع أحد أن يدعي أنه جمع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء( ), وعنه أيضًا: مامن أحد من الناس يقول إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب, وما جمعه وما حفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده( ).
وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله: لو قُرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين( ), وفيه عن أبي جعفر: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي( ). والروايات في كتب الشيعة الرافضة المصرحة بتحريف القرآن كثيرة جدًا, وقد أخبر عن استفاضتها وتواترها عندهم كبار علمائهم ومحققيهم, يقول المفيد: إن الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد × باختلاف القرآن, وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان( ).
ويقول هاشم البحراني( ) أحد كبار مفسريهم: اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله × شيء من التغييرات, وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرًا من الكلمات والآيات( ), ويقول أيضًا: وعندي في وضوح صحة هذا القول –أي تحريف القرآن- بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع وأنه من أكبر مقاصد الخلافة( ).
ويقول نعمة الله الجزائري( ): إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث, وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد, والعلامة المجلسي( ), فهذه أقوال أئمتهم ومحققيهم الكبار تقطع بتواتر واستفاضة الروايات في كتبهم بدعوى تحريف القرآن وتبديله, وأنها تبلغ الآلاف مما جعل بعض هؤلاء العلماء يقطع بأن هذه العقيدة من ضروريات المذهب عندهم وأكبر مقاصد الإمامة, وزيادة على ما جاء في كتبهم من آلاف الروايات الدالة على دعوى تحريف القرآن, فإن أقوال علمائهم ومنظريهم وأهل الاجتهاد فيهم, جاءت مؤكدة لتلك العقيدة الفاسدة, ولعل المقام لا يتسع لنقل كلامهم هنا وإنما أذكر من نقل إجماعهم على ذلك من كبار علمائهم, يقول المفيد ناقلاً إجماعهم على ذلك: واتفقوا (أي الإمامية) أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن, وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ×, وأجمعت المعتزلة والخوارج والمرجئة, وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه( ).
وقد قام النوري الطبرسي, أحد كبار علمائهم المتأخرين الهالك في سنة 1320هـ بتأليف كتاب ضخم في إثبات دعوى القرآن عند الشيعة الرافضة, سماه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب»( ), صدره بثلاث مقدمات يتبعها بابان:
الأول: في الأدلة على تحريف القرآن بزعمه.
الثاني: في الرد على القائلين بصحة القرآن في الأمة. وقد أودع الطبرسي في كتابه هذا آلاف الروايات الدالة على تحريف القرآن بزعمهم, حيث أورد في الفصلين الأخيرين فقط من الباب الأول المكون من اثنى عشر فصلاً (1602) رواية هذا غير ما أورده في الفصول الأخرى من هذا الباب والمقدمات الثلاث والباب الثاني وقال معتذرًا عن قلة ما جمعه: «ونحن نذكر منها ما يصدق دعواهم مع قلة البضاعة»( ), وقال موثقًا هذه الروايات: واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية( ), وقال بعد أن سرد حشدًا هائلاً من أسماء علمائهم القائلين بالتحريف استغرقت خمس صفحات من كتابه: ومن جميع ما ذكرنا ونقلنا, بتتبعي القاصر, يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين وانحصار المخالفين فيهم بأشخاص معينين يأتي ذكرهم( ). ثم ذكر أن هؤلاء المخالفين هم: الصدوق, والمرتضى, وشيخ الطائفة الطوسي, قال: ولم يعرف من القدماء موافق لهم( ).
وذكر أنه تبعهم الطبرسي صاحب كتاب «مجمع البيان», قال: وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة( ), ثم اعتذر بعد ذلك عن بعض هؤلاء العلماء في عدم قولهم بتحريف القرآن بأن الذي حملهم على ذلك التقية والمداراة للمخالفين, قال معتذرًا عن الطوسي عما أورده في كتابه (التبيان) من القول بعدم التحريف: ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين.. وهو بمكان من الغرابة ولو لم يكن على وجه المماشاة( ).
وقد سبق النوري الطبرسي الاعتذار لهؤلاء العلماء: نعمة الله الجزائري حيث قال بعد أن نقل إجماع علماء الإمامية على عقيدة التحريف: نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي, وحكوا أن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن لا غير, ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل, والظاهر أن هذا القول صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها: سد باب الطعن عليها, بأنه إذا جاز في القرآن, فكيف جاز العمل بقواعدة وأحكامه, مع جواز لحوق التحريف لها, كيف روى هؤلاء الأعلام في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا( ). وبهذا يظهر أن القول بتحريف القرآن واعتقاد تغييره وتبديله هو محل إجماع علماء الشيعة الرافضة قاطبة, ما حقق ذلك الطبرسي في فصل الخطاب, ودلت عليه النقول السابقة عن كبار علمائهم, وأنه لم يخالف في هذه العقيدة أحد من علمائهم, حتى وقت تأليف فصل الخطاب إلا أربعة منهم حملهم على ذلك التقية والمداراة للمخالفين, على ما نص عليه الطبرسي ومن قبله نعمة الله الجزائري. وكما أثبتت ذلك البحوث المعاصرة التي بحثت هذه المسألة وأيدت ذلك بذكر شواهد كثيرة من الروايات الدالة على التحريف الوارد في كتب هؤلاء المشايخ الأربعة( ) مما يدل على اعتقادهم مضمونها وموافقتهم لسائر علماء الشيعة الرافضة فيما ذهبوا إليه, من اعتقاد تحريف القرآن وتبديله وإن أظهروا تقية ونفاقًا وخداعًا لأهل السنة( ).
ومما يدل على ما ذهبت إليه أنه لم يتعرض واحد من هؤلاء الذين زعموا التحريف في القرآن إلى نقد من قبل الشيعة إذ ظل الكليني موضع الثقة والتبجيل والإكرام والمرجع الأول عند جميع الشيعة اليوم. ورغم أن الشيعة المعاصرين أكدوا نفي التحريف عن القرآن زيادة ونقصًا, فإننا لا نجد أحدًا منهم يرد على الكليني ردًا صريحًا أو يظهر عدم الثقة به أو يرفض ما ذهب إليه, بل إن البعض حاول بطريقة ملتوية أن يدافع عنه ويجد له المعاذير( ).
وإن كان هؤلاء القوم صادقين, فعليهم أن يتبرؤوا ممن قال بتحريف القرآن الكريم, ولا يترددوا في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن, وأن يبينوا أن جحود البعض كجحود الكل, لأن ذلك طعن صريح فيما ثبت عن النبي × بضرورة الدين, واتفاق المسلمين.
أن القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الذي لم يتطرق إليه التحريف والتبديل وذلك لأن الله تبارك وتعالى تعهد وتكفل بحفظه, بخلاف التوراة والإنجيل, فإن الله لم يتكفل بحفظهما, بل استحفظ عليهما أهلهما فضيعوهما, حكى الشاطبي عن أبي عمر الداني عن أبي الحسن المنتاب قال: كنت يومًا عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق, فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التورة, ولم يجز على أهل القرآن؟, فقال القاضي: قال الله عز وجل في أهل التوراة: +بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ" [المائدة:44]. فوكل الحفظ إليهم, فجاز التبديل عليهم, وقال في القرآن: +إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:9], فلم يجز التبديل عليهم, قال علي: فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي فذكرت له الحكاية, فقال: ما سمعت كلامًا أحسن من هذا( ), وقد أجمعت الأمة على مر العصور والدهور على أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد × هو القرآن الموجود الآن بأيدي المسلمين ليس فيه زيادة أو نقصان, ولا تغيير فيه ولا تبديل, ولا يمكن أن يتطرق إليه شيء من ذلك لوعد الله بحفظه وصيانته ولم يخالف في هذا إلا الشيعة الرافضة حيث زعموا أن القرآن الكريم قد حدث فيه تحريف وتغيير وتبديل, وزعموا أن الصحابة هم الذين حرفوا القرآن من أجل مصالحهم الدنيوية, وعقيدتهم هذه باطلة, ودل على بطلانها الأدلة من القرآن الكريم, وأقوال الأئمة من أهل البيت والعقل, وإليك بيان ذلك:
أ- الأدلة من القرآن الكريم: الآيات الصريحة الدالة على تكفل الله تعالى بحفظ القرآن وأنه لا يمكن أن يتطرق إليه التحريف أو التبديل, والآيات في هذا الشأن كثيرة منها:
* قوله تعالى: +إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:9].
* قوله تعالى: +وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا" [الكهف:27].
* قوله تعالى: +لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ"
[فصلت:42].
* قوله تعالى: +الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة:2،1].
* قوله تعالى: +الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" [هود:1].
* وقوله تعالى: +وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [الحج:52].
* وقوله تعالى: +لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ"
[القيامة:17،16].
فقد دلت هذه الآيات الكريمات على حفظ الله لكتابه الكريم وإحكامه لآياته, وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه +وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً" [النساء:122]. وهذه الآيات في صراحتها على حفظ الله لكتابه وصيانته من التحريف, والتبديل حيث لا يُحتاج إلى شرح أو توضيح, كما أن ثناء الله تعالى في القرآن الكريم على الصحابة رضوان الله عليهم مما يؤكد كذب ما نسبته إليهم الشيعة الرافضة من دعوى تحريف القرآن( ), قال تعالى: +وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة:100].
وقوله تعالى: +لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" [الفتح:18]. وغير ذلك من الآيات في مدح الصحابة التي سيأتي شرحها وبيانها في موضعه بإذن الله تعالى.
وبعد إيراد هذه الآيات بقسميها المتقدمين نقول للشيعة الرافضة: إن قولكم بتحريف القرآن تعارضه هذه الآيات الكريمة, التي أكد الله فيها أن هذا القرآن لم يحرف ولن يحرف لأنه هو الذي تكفل بحفظه وصيانته عن التحريف والتبديل, كما أثنى على صحابة نبيه × الذين اتهمتموهم بالتحريف, ووصفهم بالصدق, والإيمان بالله ورسوله, وزكاهم أعظم تزكية, فليلزمكم تجاه هذه الآيات: إما أن تعترفوا وتقروا أن هذه الآيات جاءت من الله تعالى, فعند ذلك لا يسعكم إلا قبول واعتقاد ما دلت عليه, من سلامة القرآن الكريم من التحريف والتبديل, وإما أن تنكروا أنها من الله, فهذا كفر بالله بإجماع المسلمين, إذ من أنكر إية واحدة من القرآن, واعتقد عدم صحة نسبتها إلى الله, فهو كافر بإجماع المسلمين( ).
ب- الأدلة من أقوال أئمتهم: فقد جاءت روايات كثيرة عن أئمتهم الذين يعتقدون عصمتهم يحثون فيها الشيعة على التمسك بكتاب الله ورد كل شيء إلى الكتاب والسنة.
ومن هذه الروايات: ما جاء عن موسى بن جعفر أنه سئل: أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه؟, فقال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه ×( ). وجاء عن أبي عبد الله أنه قال: من خالف كتاب الله وسنة نبيه محمد × فقد كفر( ). وعن أبي جعفر أنه قال: إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئًا تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه, وبينه لرسوله ×, وجعل لكل شيء حدًا وجعل عليه دليلاً يدل عليه( ). وعن ابي عبد الله قال: ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة( ).
والمتأمل لهذه الروايات يخرج بفائدتين مهمتين:
* أن الأئمة من آل البيت كانوا يعتقدون كغيرهم من سلف الأمة صحة القرآن الكريم وإلا لم يطلبوا من تلاميذهم التمسك بكتاب الله وسنة نبيه × ونبذ ما سواهما, ثم إخبارهم إياهم أنه ما من شيء إلا وهو في كتاب الله والسنة وأنه ليس عندهم إلا ما فيهما.
* أن الروايات المنسوبة إليهم من القول بتحريف القرآن لم يقولوها بل هم بُرءاء منها وممن افتراها( ).
ج- الأدلة العقلية: وكما دل النقل على بطلان دعوى الرافضة في تحريف القرآن الكريم, فإن العقل يدل على بطلان دعواهم تلك, وذلك لما يترتب على القول بتحريف القرآن من المفاسد العظيمة التي يستلزم منها الطعن في الله تبارك وتعالى, وفي النبي ×, وصحابته رضوان الله عليهم, والأئمة من آل البيت الأطهار, بحفظ القرآن من التحريف –تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- ويستلزم الطعن في النبي × حيث إنه لم يبلغ القرآن الكريم البلاغ الكامل بل خص عليًا رضي الله عنه بكثير من الآيات التي لم يطلع عليها غيره, ويستلزم الطعن في الصحابة الذين حرفوا القرآن من أدل مصالحهم الخاصة, على حسب ما يدعيه الشيعة الرافضة, ويستلزم الطعن في علي والأئمة من بعده, وذلك لأنهم لم يسلموا القرآن الذي معهم –على حد زعم الشيعة الرافضة- إلى الناس ويدعوهم إليه, وهذا كتم لكتاب الله, وقد توعد على ذلك بقوله: +إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ" [البقرة: 159], ولو كان للشيعة الرافضة اعتراف بالأدلة العقلية, لكانت هذه اللوازم الفاسدة المترتبة على تلك العقيدة الخبيثة أكبر رادع لهم للإقلاع عن هذه العقيدة والتوبة إلى الله, من كل ما افتروه عليه وعلى نبيه ×, وصحابة نبيه الكرام, وأهل البيت الأطهار( ).
2- اعتقادهم أن القرآن ليس حُجة إلا بقيم: قال الكليني صاحب أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة( ), يروى ما نصه: «.. أن القرآن لا يكون حُجة إلا بقيم, وأن عليًا كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة, وكان الحجة على الناس بعد رسول الله»( ), كما توجد هذه المقالة في طائفة من كتبهم المعتمدة كرجال الكشي( ), وعلل الشرائع( ), والمحاسن( ), ووسائل الشيعة( ), وغيرها. وكيف يقال مثل هذا في كتاب الله سبحانه ليكون هداية للناس +إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" [الإسراء:9].
قال الخليفة الراشد علي رضي الله عنه: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحُكم ما بينكم, هو الفصل ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو الحبل المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسن, ولا تنقضي عجائبه, ولا يشبع منه العلماء, من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم( ), وقال ابن عباس رضي الله عنه: «يضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة», ثم قرأ هذه الآية: +قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى"( ) [طه:123].
وقد جاء في كتب الشيعة نفسها عن أهل البيت ما ينقض هذه المقولة في بعض مصادرهم المعتمدة, فقد جاء فيها:... فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم, فعليكم بالقرآن, فإنه شافع مشفع, من جعله أمامه قاده إلى الجنة, ومن جعله خلفه ساقه إلى النار, وهو الدليل على خير سبيل( ). وفي نهج البلاغة المنسوب لعلي رضي الله عنه وهو الذي عند الشيعة من أوثق المراجع: جاء النص التالي: فالقرآن آمر زاجر, وصامت ناطق, حُجة الله على خلقه( ).
ولهذه النصوص شواهد أخرى وهي تكشف لنا مدى التناقض والاضطراب الواقع في مصادر هؤلاء القوم: فرواياتهم –كما ترى- يعارض بعضها بعضًا, لكنهم في حالة التناقض تلك قد وضعوا لهم منهجًا خطيرًا وهو الأخذ بما خالف العامة –وهم أهل السنة عندهم- والمتأمل لتلك المقالة التي تواترت في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله سبحانه, ويضلهم عن هدى الله, فما دامت تكل المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القيم, والقيم هو أحد الأئمة الاثنى عشر, لأن القرآن فسر لرجل واحد وهو علي, وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثنى عشر, كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده, حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر, وهو غائب مفقود عند الاثنى عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرنًا, ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم, فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو المعدوم فكأن نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قيمه أو عدمه, وأنه لا يرجع إلى كتاب الله, ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال, لأن الحجة في قول الإمام فقط, وهو غائب فلا حجة فيه حينئذ, وحسبك بهذا الضلال, والإضلال عن صراط الله, وتلك ليست نهاية التآمر على كتاب الله, وعلى الشيعة, ولكنها حلقة من حلقات, ومؤامرة ضمن سلسلة مؤامرات, تريد أن تبعد الشيعة عن كتاب الله عز وجل( ).
إن مما علم من الإسلام بالضرورة أن علم القرآن الكريم لم يكن سرًا تتوارثه سلالة معينة, ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله × وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى التي حازت شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية محمد × ونقله إلى الأجيال كافة, ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل, وتعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد اختص أئمتهم الاثنى عشر بعلم القرآن كله, وأنهم اختصوا بتأويله, وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل( ), وتذكر بعض مصادر أهل السنة أن بداية هذه المقالة, وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ, فهو القائل: بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي( ), وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات:
أ- جاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسرًا, وإن رسول الله × فسره لرجل واحد, وفسره للأئمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب( ), وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله × قال: إن الله أنزل عليّ القرآن وهو الذي من خالفه ضل, ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك( ). وزعمت أيضًا كتب الشيعة أن أبا جعفر قال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟, فقال: هكذا يزعمون, قال أبو جعفر رضي الله عنه: بلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم –إلى أن قال-: ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به( ).
ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًا, وربما تستغرق مجلدًا وكلها تحوم حول معنى واحد وهو اختصاص الأئمة الاثنى عشر بعلم القرآن وأنه مخزون عندهم وبه يعلمون كل شيء( ), والرد على ذلك كما قال الله تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسول الله ×: +أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ" [العنكبوت:51], فالقرآن الكريم العظيم هو الشاهد والدليل والحجة, ومن ابتغى علم القرآن من القرآن, أو من سُنَّة المصطفى ×, أو من صحابة رسول الله × بمن فيهم علي فقد اهتدى. والقول بأن من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الإسلام, وهو مما علم بطلانه من الإسلام بالضرورة, فلم يخص النبي × أحدًا من الصحابة بعلم الشريعة دون الآخرين, قال تعالى: +وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" [النحل:44], فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كانوا أهل بيته, وقد نفى أمير المؤمنين علي أن يكون خصه رسول الله × بعلم دون الناس( ), وقد خاطب النبي × الصحابة ومن بعدهم, ورغبهم في تبليغ سُنته ولم يخص أحدًا منهم, فقال ×: «نضر الله أمرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره, فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه, ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»( ). وقد روت هذا الحديث كتب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية المعتمدة( ), فيكون حُجة عليهم, وأما الدعوة بأن القرآن الكريم لم يخاطب به سوى الأئمة الاثنى عشر, ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم –إنما يعرف القرآن من خوطب به( )-, بهذا الفهم السقيم يُعد صحابة رسول الله ×, والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد هلكوا وأهلكوا –على حد زعمهم- بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله, أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته, ومنه ما تعرفه العرب من كلامها, ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء, ومنه ما لا يعلمه إلا الله( ), فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة, وأنهم يعرفون القرآن كله, وهذه دعوة تفتقر إلى الدليل, وزعم يكذبه العقل والنقل, فمما يجب أن يعلم أن النبي × بين لأصحابه معاني القرآن, كما بيَّن لهم ألفاظه, فقوله تعالى: +وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" [النحل:44], يتناول هذا وهذا.
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن –كعثمان بن عفان, وعبد الله بن مسعود وغيرهما –أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي × عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل, قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا( ), ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة, وذلك أن الله تعالى قال: +كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ" [ص:29], وقال: +أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ" [النساء:82], وقال: +أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ" [المؤمنون:68], وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن, وكذلك قال تعالى: +إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [يوسف: 2], وعقل القرآن متضمن لفهمه, ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه, فالقرآن أولى.
ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة, وخرجت عن القول بكل ما فيها, فقالت بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر بل يشركهم غيرهم فيها, أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخباريين والأصوليين, فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأئمة, والأخرى ترى حجية ظواهر القرآن لعموم الأدلة في الدعوة لتدبر القرآن وفهمه( ).
إن دعوى أن القرآن لم يُفسر إلى لعلي مخالفة لقول الله سبحانه: +بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل: 44], فالبيان للناس لا لعلي وحده –كما سبق- فليس لمن قال هذه المقالة إلا أحد طريقين: إما القول بأن الرسول لم يبلغ ما أنزل إليه, وإما أن يُكذب القرآن, وهي مخالفة للعقل ومما علم من الإسلام بالضرورة, ودعوى أن علم القرآن اختص به الأئمة ينافيه اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله × بتفسير القرآن كالخلفاء الأربعة, وابن مسعود, وابن عباس, وزيد بن ثابت وغيرهم, وكان علي رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس رضي الله عنهما( ), وقال ابن تيمية رحمه الله: وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر علي, وابن عباس يروي عن غير واحد من الصحابة, يروى عن عمر, وأبي هريرة, وعبد الرحمن بن عوف, وعن زيد بن ثابت, وأبي بن كعب, وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار, وروايته عن علي قليلة جدًا, ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئًا من حديثه عن علي, وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم.. وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي, وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين, والذي منها عن علي قليل جدًا, وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق كذب على جعفر( ), وقد تحدث جعفر بولع الناس بالكذب عليه, وإن قولهم بأن علم القرآن انفرد بنقله علي يفضي إلى الطعن في تواتر شريعة القرآن من الصحابة إلى سائر الأجيال, لأنه لم ينقلها –على حد زعمهم- عن رسول الله إلا واحد وهو علي رضي الله عنه, فهذه المقالة مؤامرة, الهدف منها الصد عن كتاب الله سبحانه والإعراض عن تدبره, واستلهام هديه, والتفكر في عبره, والتأمل في معانيه ومقاصده, فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريقة الأئمة الاثنى عشر, أما غيرهم فمحروم من الانتفاع به, وهي محاولة أو حيلة مكشوفة الهدف, مفضوحة القصد, لأن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين وخوطب به الناس أجمعون +إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [يوسف:2], +هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ" [آل عمران:138], وأمر الله عباده بتدبره, والاعتبار بأمثاله, والاتعاظ بمواعظه, ومحال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من البيان والكلام( ), وهي محاولة للصد عن ذلك العلم العظيم في تفسير القرآن, والذي نقله إلينا صحابة رسول الله × والسلف والأئمة, فهذه الكنوز العظيمة لا عبرة بها ولا قيمة لها في دين الشيعة, لأنها ليست واردة عن الأئمة الاثنى عشر, وقد صرح بذلك بعض شيوخهم المعاصرين فقال: إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها( ), لقد حاولت كتب التفسير المعتمدة عندهم كتفسير القمي والعياشي والصافي والبرهان, وكتب الحديث كالكافي والبحار تأويلات لكتاب الله منسوبة لآل البيت تكشف في الكثير الغالب عن جهل فاضح بكتاب الله, وتأويل منحرف لآياته, وتعسف بالغ في تفسيره, ولا يمكن أن تصح نسبتها لعلماء آل البيت, فهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ, ولا بمفهومها ولا بالسياق القرآني –كما سيأتي أمثلة على ذلك بإذن الله- وبناء على هذه العقيدة فإن هذا هو مبلغ علم علماء آل البيت, وفي ذلك من الزراية عليهم ونسبة الجهل إليهم الشيء الكثير من قوم يزعمون محبتهم والتشيع لهم( ).
3- اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر: ذهب الشيعة إلى أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا, وأن الناس لا يعلمون إلا الظاهر, وأما الباطن فلا يعلمه إلا الأئمة ومن يستقي منهم, وبمثل هذه الأفكار فتح الشيعة الباب للزنادقة والملحدين وأصحاب الأهواء والمذاهب الهدامة لكي يتلاعبوا بالقرآن, وحاولوا جميعًا الكيد له وأرادوا أن يطفئوا نور الإسلام بأفواههم ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون, وقد استغل الشيعة فكرة الظاهر والباطن هذه وحاولوا بها تفسير القرآن لكي يوافق معتقداتهم ويخدم مذهبهم في الإمامة, كما اتخذوا القرآن تكأة للهجوم على الصحابة رضي الله عنهم وتجريحهم في الوقت الذي يمجدون فيه أهل البيت وينسبون إليهم أشياء يدفعونها هم عن أنفسهم, وقد أتى الشيعة الرافضة في هذا الباب بآراء تخالف كل ما أثر في تفسير القرآن, ولا يسندها أثر ولا عقل ولا لغة ولا منطق( ).
إن جذور التأويل الباطني نبتت في أروقة السبئية, لأن ابن سبأ حاول أن يجد لقوله بالرجعة مستندًا من كتاب الله بالتأويل الباطل وذلك حينما قال: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدًا يرجع, وقد قال الله عز وجل: +إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" [القصص:85] ( ), وقد نقلت لنا بعض كتب أهل السنة نماذج من تأويلات الشيعة لكتاب الله, ولكن ما انكشف لنا اليوم أمر خطير على عقائد الناس وفكرهم وثقافتهم, فقد تحدث الإمام الأشعري( ), والبغدادي( ), والشهرستاني( ), وغيرهم يحكون عن المغيرة بن سعيد أحد الغلاة باتفاق السُّنَّة والشيعة والذي تنسب إليه الطائفة المغيرية أنه ذهب بتأويل الشيطان في قول الله جل شأنه: +كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ" [الحشر:16], بعمر بن الخطاب رضي الله عنه, وهذا التأويل بعينه قد ورثته الاثنا عشرية, ودونته في مصادرها المعتمدة, حيث جاء في تفسير العياشي( ), والصافي( ), والقمي( ), والبرهان( ), وبحار الأنوار( ), عن أبي جعفر في قول الله: +وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ" [إبراهيم:22], قال: وهو الثاني وليس في القرآن شيء «وقال الشيطان» إلا وهو الثاني, فكانت كتب الاثنى عشرية تزيد على المغيرية بوضع هذا الانحراف في كتاب الله قاعدة مطردة( ).
فهذه الروايات التي تسندها كتب الشيعة الاثنى عشرية إلى أبي جعفر الباقر هي من أكاذيب المغيرة بن سعيد وأمثاله, فقد ذكر الذهبي عن كثير النواء( ), أن أبا جعفر قال: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد, وبيان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت( ), وروى الكشي في رجاله عن أبي عبد الله قال: لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا( ), وساق الكشي روايات عديدة في هذا الباب( ), ويلاحظ أنه اتفق كل من الأشعري, والبغدادي وابن حزم, ونشوان الحميري على أن جابرًا الجعفي الذي وضع أول تفسير للشيعة على ذلك النهج الباطني كان خليفة المغيرة بن سعيد( ) الذي قال بأن المراد بالشيطان في القرآن هو أمير المؤمنين عمر, فهي عناصر خطر يستقي بعضها من بعض عملت على فساد التشيع( ).
وحين احتج شيخ الشيعة في زمنه –والذي إذا أطلق لقب العلامة عندهم انصرف إليه (ابن المطهر الحلي)- على استحقاق علي للإمامة بقوله: «البرهان الثلاثون قوله تعالى: +مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ  بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ" [الرحمن:20،19] قال علي وفاطمة +بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ" النبي × +يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" الحسن والحسين, فحينما احتج ابن المطهر بذلك قال ابن تيمية رحمه الله: إن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول, وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن, بل هو شر من كثير منه, والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه, بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه( ), وهذه أمثلة من تحريف الشيعة الرافضة لآيات القرآن الكريم, وذلك بفتحهم باب التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه:
أ- تحريفهم معنى التوحيد الذي هو أصل الدين إلى معنى آخر هو ولاية الإمامة: فعن أبي جعفر أنه قال: ما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا( ), وذلك قول الله في كتابه: +وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [النحل:36].
ب- تحريفهم معنى الإله إلى معنى الإمام: ففي قوله تعالى: +وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ" [النحل:51] قال أبو عبد الله: يعني بذلك: ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد( ).
ج- تحريفهم معنى الرب في القرآن إلى معنى الإمام: ففي تفسير قول الله تعالى: +وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا" [الفرقان:55], قال القمي في تفسيره: الكافر: الثاني (يعني عمر بن الخطاب), كان على أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ظهيرًا( ).
وقال الكاشاني في البصائر: إن الباقر عليه السلام سُئل عن تفسير هذه الآية فقال: إن تفسيرها في بطن القرآن: علي هو ربه في الولاية( ).
د- تحريفهم معاني الكلمة إلى معاني الأئمة: فقالوا في تفسير قول الله: +وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" [الشورى: 21], الكلمة: الإمام( ), وقوله سبحانه: +لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ" [يونس:64]. قالوا: لا تفسير للإمامة( ).
هـ- تحريفهم معاني المسجد والكعبة والقبلة إلى معاني الأئمة: فقالوا في تفسير قول الله تعالى: +وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ" [الأعراف:29] قال: يعني الأئمة( ), وفي قوله: +خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ" [الأعراف:31] قال: يعني الأئمة( ), وفي قوله تعالى: +وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا" [الجن:18], قال: إن الإمام من آل محمد, فلا تتخذوا من غيرهم إمامًا( ), ويقول الصادق عنهم: نحن البلد الحرام ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله( ), والسجود: هو ولاية الأئمة وبهذا يفسرون قوله تعالى: +وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ" [القلم:43] حيث قالوا: يدعون إلى ولاية علي في الدنيا( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:49 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (9)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها
سادسًا: موقف الشيعة الإمامية من الصحابة الكرام
يقف الشيعة الرافضة من أصحاب النبي × موقف العداوة والبغضاء والحقد والضغينة, يبرز ذلك من خلال مطاعنهم الكبيرة على الصحابة التي تزخر بها كتبهم القديمة والحديثة, فمن ذلك اعتقادهم كُفرهم وردتهم إلا نفرًا يسيرًا منهم, وعلى ما جاء مصرحًا بذلك في بعض الروايات الواردة في أصح كتبهم وأوثقها عندهم, فقد روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي × إلا ثلاثة. فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود, وأبو ذر الغفاري, وسلمان الفارسي, رحمة الله وبركاته عليهم ثم عرف أناس بعد يسير وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع( ).
وقال نعمة الله الجزائري: الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي, وكفروا الصحابة, ووقعوا فيهم, وساقوا الإمامة إلى الجعفر الصادق وبعده إلى أولاده المعصومين عليهم السلام, ومؤلف هذا الكتا من هذه الفرقة وهي الناجية إن شاء الله( ).
وقدح الشيعة الرافضة في الصحابة لا يقف عند هذا الحد من اعتقاد تكفيرهم وردتهم, بل يعتقدون أنهم شر خلق الله, وأن الإيمان بالله ورسوله لا يكون إلا بالتبرؤ منهم, وخاصة الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان, وأمهات المؤمنين( ).
يقول محمد باقر المجلسي: وعقيدتنا في التبرؤ أننا نتبرأ من الأصنام الأربعة؛ أبي بكر, وعمر, وعثمان, ومعاوية, والنساء الأربع: عائشة, وحفصة, وهند, وأم الحكم, ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله على وجه الأرض, وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبرؤ من أعدائهم( ). وقد بلغ من حقد هؤلاء على أصحاب النبي ×: استباحة لعنهم بل تقربهم إلى الله بذلك بشكل يفوق الوصف, فقد روي الملا كاظم عن أبي حمزة الثمالي –افتراء على زين العابدين رحمه الله- أنه قال: من لعن الجبت والطاغوت لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة ومحا عنه سبعين ألف ألف سيئة, ورفع له سبعين ألف ألف درجة, ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك, قال: فمضى مولانا علي بن الحسين, فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر, فقلت: يا مولاي حديث سمعته من أبيك, قال: هات يا ثمالى, فأعدت عليه الحديث. فقال: نعم يا ثمالى أتحب أن أزيدك؟, فقلت: بلى يا مولاي. فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي, ومن أمسى فلعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليله حتى يصبح( ), ومن الأدعية المشهورة عندهم الواردة في كتب الأذكار: دعاء يسمونه دعاء صنمي قريش «يعنون بهما أبا بكر وعمر» وينسبون هذا الدعاء ظلمًا وزورًا لعلي رضي الله عنه وهو يتجاوز صفحة ونصف الصفحة وفيه: اللهم صل على محمد وآل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما, وابنتيهما, اللذين خالفا أمرك, وأنكرا وحيك, وجحدا إنعامك, وعصيا رسولك, وقلبا دينك, وحرفا كتابك.. إلى أن جاء في آخره: اللهم العنهما في مكنون السر, وظاهر العلانية, لعنًا كثيرًا أبدًا, دائمًا سرمدًا, لا انقطاع لأمره, ولا نفاد لعدده, لعنًا يعود أوله ولا يروح آخره, لهم ولأعوانهم, وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم, والمسلمين لهم, والمائلين إليهم, والناهضين باحتجاجهم, والمقتدين بكلامهم, والمصدقين بأحكامهم, (قل أربع مرات): اللهم عذبهم عذابًا يستغيث منه أهل النار, آمين يا رب العالمين( ).
هذا الدعاء مرغب فيه عندهم, حتى –إنهم رووا في فضله نسبة إلى ابن عباس أنه قال: إن عليًا –عليه السلام- كان يقنت بهذا الدعاء في صلواته, وقال: إن الداعي به كالرامي مع النبي × في بدر وأُحد وحنين, بألف ألف سهم( ), ولهذا كان هذا الدعاء محل عناية علمائهم, حتى إن أغا برزك الطهراني ذكر أن شروحه بلغت العشرة( ).
فهذا ما جاء في كتبهم القديمة وعلى ألسنة علمائهم المتقدمين, أما المعاصرون منهم فهم على عقيدة سلفهم سائرون وبها متمسكون, فهذا إمامهم المقدس وآيتهم العظمى الخميني –يقول في كتابه كشف الأسرار: إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين, وما قاما به من مخالفات للقرآن, ومن تلاعب بأحكام الإله, وما حللاه وحرماه من عندهما, وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي × وضد أولادها, ولكنننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين( ), ويقول عن الشيخين رضي الله عنهما: وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى إيراد شواهد من مخالفتهما الصريحة للقرآن لنثبت بأنهما كانا يخالفان ذلك( ), ويقول متهمهما بتحريف القرآن: لقد ذكر الله ثماني فئات تستحق سهمًا من الزكاة, لكن أبا بكر أسقط واحدة من هذه الفئات, بإيعاز من عمر ولم يقل المسلمون شيئًا( ), ويقول: الواقع أنهم ما أعطوا الرسول حق قدره, الرسول الذي كدّ وجد وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم, وأغمض عينيه وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية والنابعة من أعمال الكفر والزندقة( ).
وقد خرجت أصوات شيعية معاصرة تدعو للتقارب بين الشيعة وأهل السنَّة وتزعم أنها تقدر الصحابة, كالخنيزي وأحمد مغنية والرفاعي, ومحمد جواد مغنية, فعليهم أن يعلنوا موقفهم في تقديمهم للصحابة في الأوساط الشيعية, وأن يعملوا على تنقية التراث الشيعي من كل ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله وأن يتصدوا لمشايخ الشيعة المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال, وألا يتجاهلوا ما جاء في كتبهم قديمًا وحديثًا وما يجري في واقعهم من عوامهم وشيوخهم, وأن يصدقوا ولا يتناقضوا, حتى يقبل منهم موقفهم( ).
إن عقيدة الشيعة الرافضة في الصحابة موجودة في أصول كتبهم, التي يقوم عليها المذهب من مطاعن وسباب وشتائم بذيئة, يتنزه أصحاب المروءة والدين عن إطلاقها على أكفر الناس, بينما تنشرح بها صدور الشيعة الرافضة, وتسارع بها ألسنتهم في حق أصحاب رسول الله × وخلفائه ووزرائه وأصهاره, ويعدون ذلك دينًا يرجون عليه من الله أعظم الأجر والمثوبة. وفي الحقيقة إن المسلم إذا ما تأمل حال هؤلاء الناس من بُعد وضلال, فإنه لابد له من موقفين:
أ- موقف استشعار نعمة الله, وعظم لطفه, وسابغ كرمه أن أنقذه من هذا الضلال, الأمر الذي يستوجب شكرًا لله على ذلك.
ب- موقف الاتعاظ والاعتبار بما بلغ هؤلاء القوم من زيغ وانحراف, يعلمه من له أدنى ذرة عقل, كتقربهم إلى الله بلعن أبي بكر وعمر صباحًا ومساءً, وزعمهم أن من لعنهما لعنة واحدة لم تكتب عليه خطيئة يومه, وذلك أن عامة العقلاء من هذه الأمة, بل ومن أصحاب الملل السماوية يدركون إدراكًا ضروريًا من دين الله, أن الله ما تعبد أمة من الأمم بلعن أحد من الكفار, ولو كان أكفر الناس, بل ما تعبدهم بلعن إبليس اللعين المطرود من رحمة الله صباحًا ومساء, في أوراد مخصوصة تقربنا إلى الله كما تتقرب الشيعة الرافضة بلعن أبي بكر وعمر. بل إني لا أعلم( ), فيما أطلعت عليه من كتب الرافضة أنفسهم أنها تضمنت دعاء مخصوصًا أو غير مخصوص في لعن أبي جهل, أو أمية بن خلف, أوالوليد بن المغيرة الذين هم أشد الناس كفرًا وتكذيبًا لرسوله ×, بل ولا في لعن إبليس في حين أن كتبهم تمتلئ بالروايات في لعن أبي بكر وعمر, كما في دعاء صنمي قريش وغيره, ففي هذا عبرة لكل معتبر فيما يبلغ بالعبد من الضلال إن هو أعرض عن شرع الله, واتبع الأهواء والبدع يزين له سوء عمله وقبيح أفعاله حتى يصبح لا يعرف معروفًا من منكر, ولا يميز حقًا من باطل, بل يتخبط في الظلمات, ويعيش سكرة الشهوات، وهذا ما أخبر الله عنه في كتابه وبين حال أصحابه ( ) في قوله +أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ" [فاطر: 8]، وقال: +الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" [الكهف: 104]، وقال تعالى: +قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا" [مريم: 75].
نماذج للمزاجية في تفسير الآيات عند الشيعة الرافضة المتعلقة بردة الصحابة -على حد زعمهم- والرد على باطلهم.
أ- آية آل عمران: استدل الشيعة الرافضة بقول الله تعالى في كتابه العزيز: +وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 143، 144]، إن هذه الآية يزعمون أنها صريحة في الدلالة على انقلاب الصحابة بعد رسول الله ×، وعد الصحابة المنقلبين على أعقابهم هم الكثرة الغالبة من الصحابة فيما ثبت من الصحابة قلة قليلة، وهي الفئة التي ترى الشيعة الرافضة ثبوتها على الإسلام، وهؤلاء الثابتون هم الشاكرون ولا يكونون إلا قلة كما قال تعالى: +وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" [سبأ: 13]، والمهم عندهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة، الذين يمشون مع رسول الله × في المدينة، وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاته دون فصل ( )، وقد حولوها وطبقوها على ما حدث في سقيفة بني ساعدة عندما انتخب الصحابة الكرام أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- والرد على هذا الكذب العظيم كالآتي:
- روي الطبري في تفسيره بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالى: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ" [آل عمران: 144]، ناس من أهل الارتياب ومرضى النفاق، قالوا يوم فر الناس عن نبي الله ×، وشج فوق حاجبيه, وكسرت رباعيته: قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول, فذلك قوله: +أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ" [آل عمران: 144] ( ).
وروي أيضا عن ابن جريج قال: قال أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فر الناس عن النبي ×: قد قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول، فنزلت الآية ( )، فالمقصود بالانقلاب على الأعقاب في الآية هو: ما قاله المنافقون لما أشيع في الناس أن رسول الله × قتل، وهو قولهم: ارجعوا إلى دينكم الأول، ولم تكن هذه الآية فيمن ارتد بعد موت النبي × وإن كانت حجة عليهم، مع أنها لو كانت فيمن ارتد بعد موت النبي × لكانت أظهر في الدلالة على براءة أصحاب النبي × من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه على أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلى الدين، وهلك من هلك على ردته، وظهر فضل الصديق بمقاتلهم لهم ( )، ولهذا ثبت عن علي -رضي الله عنه- أنه كان يقول في قوله تعالى: +وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144]، الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه ( )، وكان يقول كان أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله ( ).
لقد كان لموقعة أحد ظروفها الخاصة وملابستها، ولذلك جاءت الآيات الكريمة في سورة آل عمران وفقا لتلك الظروف والملابسات، واستخدام الآية الكريمة للاستدلال على وقائع كحادثة السقيفة أو موقعة الجمل لا يخلو من غرابة ومن مزاجية، لا تمت بصلة للمنهجية العلمية، وتُعد هذه الآية من أكبر الدلائل على عظم إيمان أبي بكر وحكمته وتفانيه في الدفاع عن دين الله، فموقفه الثابت يوم أن توفي رسول الله × خير شاهد على ذلك، يوم أن وقف وقفته الثابتة مخاطبا الناس بعدما أصابه الوهن والضعف على فقد رسول الله × فقال: إن الله عز وجل يقول: +إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" [الزمر: 30]، ويقول +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144]، فمن كان يعبد الله عز وجل فإن الله عز وجل حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ( )، وموقفه الصارم من الذين ارتدوا على أعقابهم واستبدلوا الإيمان بالكفر، فاتبعوا مسيلمة، وسجاح وطليحة بن خوليد والأسود العنسي وأمثالهم، ومن الذين قالوا: لا نصلي ولا نزكي، فأسقطوا شعائر الإسلام بالهوى لأروع مثال على عظمة أبي بكر و الصحابة وعلى حرصهم على الدين ( )، وقد وقف أمير المؤمنين علىّ بجانب الخليفة الراشد الصديق في جهاد المرتدين ومانعي الزكاة، أما التيجاني وشرف الدين الموسوي وفلان وفلان من أئمة علماء الشيعة الاثني عشرية فلا زالوا يدندنون حول قضية مانعي الزكاة محاولين تبرئة ساحتهم، ورمي أبي بكر والصحابة بالمقابل بالأباطيل والردة، فأي ضلال ينطق به هؤلاء حين يطعنون في أصحاب رسول الله، ويجعلون من الذين جاهدوا ( ) في سبيل الله رفعة لهذا الدين رموزا للكفر والردة والنفاق، ولذلك لا نعجب إن علمنا مدى إكبار الإمام جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق وإجلالا له، يذكر الأربلي -في كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة- عن عروة بن عبد الله أنه قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، فقال: لا بأس بها، قد حلى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- سيفه، قلت: فتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، وقال: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة ( )، فرحم الله الإمام أبا جعفر، ورحم الله كلماته التي طوتها صحف الأمس ولم تنطق بها ضمائر اليوم ( ).
ب- آية سورة المائدة: وقد استدل بعض المتنطعين على ردة الصحابة وانقلابهم على أعقابهم بقول الله تعالى +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [المائدة: 54].
إن هذه الآية التي بين أيدينا والتي يستدل بها علماء الشيعة الأثني عشرية، على ردة الصحابة وانقلابهم على أعقابهم( )، لهي أعظم دليل على عظمة هؤلاء الصحابة وتفانيهم في الدفاع عن الإسلام، لا على ردتهم وانقلابهم على أعقابهم، فقد روى الطبري بسنده عن علي -رضي الله عنه- أنه قال في قوله تعالى: +فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" [المائدة: 54]، بأبي بكر وأصحابه، وعن الحسن البصري قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه، وعن الضحاك قال: هو أبو بكر وأصحابه، حتى ردهم إلى الإسلام، وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير ( ).
إن الآية الكريمة تحدثت عن صفات جيل التمكين وبأن أهل الإيمان سيحالفهم النصر والتمكين فينالون العزة و الكرامة بينما سيحيق بأهل الردة مكرهم السيئ وتغشاهم الذلة، وهذه حقيقة يلمسها كل من قرأ التاريخ الصحيح وتجلت له عزة الصحابة وعلى رأسهم الخليفة الراشد أبو بكر، وذل زعماء الردة، كمسيلمة والعنسي وسجاح وخيبتهم ( ).
إن هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين، فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات، فالله سبحانه وتعالى ذكر أنه يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، وقد شرحت هذه الصفات في كتابي الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق ( ) فمن أراد المزيد فليرجع إليه.
ج- آية سورة التوبة: قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [التوبة: 38، 39]، فقد قال بعض علماء الشيعة الرافضة: هذه الآية صريحة في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد، واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا، رغم علمهم بأنها متاع قليل، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه، وتهديده إياهم بالعذاب الأليم، واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين، وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات، مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة، فقد جاء في قول الله تعالى: +وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" [محمد: 38]، عند صاحب كتاب (ثم اهتديت): ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي × واختلفوا وأوقدوا نار الفتنة، حتى وصل بهم الأمر إلى القتال والحرب الدامية، التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم وأطمعت فيهم أعداءهم ( ). والرد على هذا الشيعي الرافضي كالآتي: أنه ليس في الآيتين مطعن على أصحاب النبي × وإنما فيها حث الله تعالى الصحابة على الجهاد، وذلك عندما أمر النبي × أصحابه في غزوة تبوك بغزو الروم، وكان ذلك في زمن العسرة وفاقة من أصحاب النبي × مع شدة الحر وبعد السفر، فشق ذلك على بعضهم، فنزلت الآيات في الترغيب في الجهاد في سبيل الله والتحذير من التثاقل عنه، فاستجاب أصحاب النبي لأمر ربهم.
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ" [التوبة: 38]، وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك في غزوة رسول الله × تبوك ( ). ولا شك أن في هاتين الآيتين تضمنتا نوع من عتاب من الله عز وجل لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعًا لا يرد على عامة أصحاب النبي × الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وعن غالب الصحابة وأكثرهم ( )، وقال ابن كثير: هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله × في غزوة تبوك ( )، ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي × في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك حديث كعب بن مالك المشهور في الصحيحين ( )، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ومع هذا فقد ثبت بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن الله تاب على الجميع، وأنزل في توبته على سائر الصحابة، وحيا يتلى في كتابه في قوله: +لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [التوبة: 117، 118]، وتضمنت هذه الآيات إخبار الله تعالى عن توبته على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول × في غزوة تبوك، والتي تسمى غزوة العسرة فلم يتخلفوا عنه مع ما أصابهم فيها من الجهد والشدة والفقر، حتى جاء في بعض الروايات أن النفر منهم كانوا يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها حتى تأتي على آخرهم ( ), كما تضمنت توبة الله على الثلاثة المخلفين، الذين تأخروا عن رسول الله × في تلك الغزوة بعد هجر النبي × لهم، وندمهم ندما عظيما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ( )، فلم يبق بعد ذلك عذر لأحد في النيل من أصحاب النبي × أو غمزهم بشيء مما قد يقع منهم بعد مغفرة الله لهم وتوبته عليهم، وثنائه عليهم الثناء العظيم في كتابه، وتزكية الرسول × لهم في سنته -رضي الله عنهم- ( )، وأما اقتتال الصحابة -رضي الله عنهم- فقد نشأ في عهد علي -رضي الله عنه-، وقد بينا الحديث عن أسباب الاختلاف بين الصحابة في الفتنة، وبيان وجهة كل فريق، وبراءتهم من كل ما يلصق بهم من ذلك، وأن عامة ما صدر منهم إنما كانوا مجتهدين فيه، ليس لأحد أن يذمهم بشيء منه ( )، وإنما الإمساك عما شجر بينهم والترحم عليهم هو السبيل الأمثل، والمنهج الأقوم في حقهم، فرضي الله عنهم أجمعين ( ).
د- حديث المذادة عن الحوض: قال رسول الله ×: «بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟، فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أرى يخلص منهم إلا همل النعم» ( )، فقال ×: «ني فرطكم على الحوض، من مر عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوامه أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي» ( ).
يقول بعض الشيعة: فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده × إلا القليل عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الأحاديث على القسم الثالث، وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول: أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي ×، وإلا لأصبح المنافق بعد وفاة النبي × مؤمنا( )، والرد على هذه الشبهة كالتالي: إن أصحاب النبي × مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله × -ويأتي بيان ذلك بإذن الله-.
ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معينين بهذه الأحاديث، وأنها لا توجب قدحا فيهم، قال ابن قتيبة -في معرض رده على الشيعة الرافضة- في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: فكيف يجوز أن يرضى الله عز وجل عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله × إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكفرين ( )، وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدل القول: (أصيحابي) على قلة عددهم( )، وقال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله ×: (هل تدري ما أحدثوا بعدك)، وهذا اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
‌أ- إن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي × للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
‌ب- إن المراد من كان في زمن النبي × ثم ارتد بعده فيناديهم النبي × لما كان يعرفه × في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
‌ج- إن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع بهؤلاء الذي يذادون بالنار يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب( )، ونقل هذه الأقوال، أو قريبا منها، القرطبي وابن حجر رحمهما الله تعالى( ).
ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي ×: «فأقول أصحابي أو أصيحابي -بالتصغير- وفي بعضها يقول: «سيؤخذ أناس من دوني، فأقول: يا ربي مني ومن أمتي»، وفي بعضها يقول: «ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني»( )، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة،وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب ( )، وإذا كان النبي × قد بين أن سبب الذود عن الحوض، هو الارتداد كما في قوله: «إنهم ارتدوا على أدبارهم»، أو الإحداث في الدين، كما في قوله: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ( )، فمقتضى ذلك هو أن يزاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي × من الأعراب، أم من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة، وهذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قال ابن عبد البر -رحمه الله- كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر، والله أعلم ( )، وقال القرطبي رحمه الله في التذكرة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ( ).
إذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به الشيعة الرافضة، فالذود عن الحوض، إنما هو بسبب الردة والإحداث في الدين، والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي ×، على ما روى الطبري في تاريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: ارتد العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، وأشرأبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم × وقلتهم وكثرة عدوهم ( ).
ومع هذا تصدى أصحاب النبي × لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالا عظيما وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم، فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة -رضي الله عنهم- وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكارا عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤوا منها ومن أهلها، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية: إذا لقيت هؤلاء، فأخبرهم أن ابن عمر منهم برئ، وهم منه براء ثلاث مرات ( )، ويقول البغوي ناقلا إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم ( ).
وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أ هل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله × حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الرافضة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض النبي ×، بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته، ولا يشكل على هذا قول النبي ×: «ليردن على ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني» ( )، فهؤلاء هم من مات النبي × وهم على دينه، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي × فهؤلاء في علم النبي × أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته ولذا يقول له: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، وفي بعض الروايات «إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري» ( ).
فظاهر أن هذا في حق المرتين بعد موت النبي ×، وأين أصحاب النبي × الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين وجاهدوا الكافرين والمنافقين، وفتحوا بعد ذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيرًا من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم، وهؤلاء المرتدون لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح الصحبة إذا ما أطلق، فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: من لقي النبي × مؤمنًا به ومات على الإسلام ( ).
وأما قول النبي ×: «فلا أراه يخلص منه إلا مثل همل النعم» ( )، واحتجاج الشيعة الرافضة به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فالحجة عليهم فيه، لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إلا القليل، وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: «بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟، فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: ارتدوا على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟، فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منه إلا مثل همل النعم) ( )، فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمرا من الرجال يذادون من دون الحوض، ثم لا يصل إليهم منهم إلا القليل ( )، قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)، يعني به هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه، والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره ( )، ولهذا يظهر بطلان احتجاج الشيعة الرافضة وتلبيسهم وبراءة الصحابة من طعنهم وتجريحهم ( ).
2- عدالة الصحابة -رضي الله عنهم-: إن تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، ولا تتحقق إلا بالإسلام والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله ×، فجميعهم -رضي الله عنهم- عدول تحققت فيهم صفة العدالة( ).
والمراد بها رواياتهم للحديث عن رسول الله، وحقيقتها التجبن عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها، قال العلامة الدهلوي: ولقد تتبعنا سيرة الصحابة كلهم، فوجدناهم يعتقدون الكذب على النبي × أشد الذنوب، ويحترزون عنه غاية الاحتراز كما لا يخفى على أهل السير ( ).
ولقد تضافرت الأدلة في كتاب الله وسنة رسوله × على تعديل الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ممالا يبقى معها شك لمرتاب في تحقق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، ويدب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي × لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( ).
‌أ- قوله تعالى: +وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [البقرة:143]، ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم- أن وسطا تعني: عدولا خيارا لأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة ( ).
‌ب- قوله تعالى: +كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ" [آل عمران: 110]، ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم-: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول وهم الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-، ذلك يقتضي استقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن البعيد أن يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونون أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك ( ).
‌ج- قوله تعالى: +وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة: 100]، ووجه دلالة هذه الآية على عدالتهم -رضي الله عنهم-: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم، ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهل للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا من كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه، ومن أثنى الله تعالى عليه هذا الثناء كيف لا يكون عدلاً؟، وإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا يثبت عدالة صفوة الخلق وخيارهم بهذا الثناء، الصادر من رب العالمين ( ).
‌د- قوله تعالى: +مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [الفتح: 29]، فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه، وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق على النفس معه الشك في عدالتهم؟ قال القرطبي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: فالصحابة كلهم عدول -أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله- هذه الأمة, وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر، فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال، فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلابد من البحث وهذا مردود، فإن خيار الصحابة وفضلائهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم -رضي الله عنهم- ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم، ووعدهم الجنة بقوله تعالى: +وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم إذا كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد( ).
هـ- قوله تعالى: +لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر: 8، 9]، فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- هاتين الكلمتين من الآيتين حيث قال في خطبته يوم السقيفة مخاطبا الأنصار: إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحون) وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" [التوبة: 119].
فهذه الصفات الحميدة في هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله ×، واتصفوا بها، ولذلك ختم صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون، وختم صفات الذي آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون، وهذه الآيات البينة الدالة على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم-، فعدالتهم ثابتة بنص القرآن الكريم ( ).
وأما دلالة السنة على تعديلهم -رضي الله عنهم-: فقد وصفهم النبي × في أحاديث يطول تعدادها وأحسن الثناء عليهم بتعديلهم، ومن تلك الأحاديث:
‌أ- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي بكر أن النبي × قال: (... ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) ( )، وجه دلالة الحديث على عدالتهم -رضي الله عنهم-: أن هذا القول صدر من النبي × في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع، وهذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحدا ( ). قال ابن حبان رحمه الله: وفي قوله ×: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله × وقال: ألا ليبلغ فلان منك الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله × شرفا ( ).
‌ب- روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي ×: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)( )، وجه الاستدلال بهذا الحديث على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم-: أن الوصف لهم بغير العدالة سب، لا سيما وقد نهى × بعض من أدركه وصحبه عن التعرض لمن تقدمه لشهود المواقف الفاضلة، فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى ( )، فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم، وثناء رسول الله × عليهم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق ( ).
ولو لم تكن عدالتهم منصوصا عليها في كتاب الله وسنة رسوله × لجزم أهل العقول الصحيحة والقلوب السليمة بعدالتهم، استنادا إلى ما تواترت به الأخبار عنهم من الأعمال الجليلة والخيرات الوفيرة التي قدموها لنصرة دين الله الحنيف، فقد بذلوا ما أمكنهم بذله في سبيل نصرة الحق ورفع رايته وإرساء قواعده ونشر أحكامه في جميع الأقطار -رضي الله عنهم أجمعين-، والعدالة المرادة هنا ليس المقصود بها عدم الوقوع في الذنوب والخطايا فإن هذا لا يكون إلا لمعصوم ( )، قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية إلى أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد والمنة، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله × حتى يثبت خلافه ( ).
الإجماع على عدالتهم: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن وغيرها ولا يفرقون بينهم، الكل عدول إحسانا للظن بهم ونظرا لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة و السلام، ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول × والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمور الدين والقيام بحدوده، فشهادتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف بحث عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله، وقد نقل الإجماع على عدالتهم جمع غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول:
‌أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله × التي دلت على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم كلهم عدول، قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء ( ).
‌ب- وقال أبو عمر ابن عبد البر -رحمه الله-: ونحن وإن كان الصحابة -رضي الله عنهم- قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، على أنهم عدول، فواجب الوقوف على أسمائهم ( ).
‌ج- وحكى الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- وعلل حصول الإجماع على عدالتهم بقوله: ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول × ولما استرسلت على سائر الأعصار ( ).
‌د- ذكر ابن الصلاح: أن الإجماع على عدالة الصحابة خصيصة فريدة تميزوا بها عن غيرهم، فقد قال: للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، وقال أيضا: إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانا للظن ذلك لكونهم نقلة الشريعة ( )، والله أعلم.
‌ه- قال الإمام النووي -رحمه الله-: بعد أن ذكر أن الحروب التي وقعت بينهم كانت عن اجتهاد وأن جميعهم معذورون -رضي الله عنهم- فيما حصل بينهم، قال: ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم -رضي الله عنهم- ( ), وقال في التقريب: الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به ( ).
‌و- وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوا من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله × ورغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل ( ).
‌ز- وقال العراقي في شرح ألفيته: بعد ذكره لبعض الآيات القرآنية والأحاديث الدالة على عدالة الصحابة: إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وأما من لابس الفتن منهم وذلك حين مقتل عثمان، فأجمع من يعتد به أيضا في الإجماع على تعديلهم إحسانا للظن بهم وحملا لهم في ذلك على الاجتهاد ( ).
‌ح- وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: مبينا أن أهل السنة مجموعون على عدالة الصحابة فقال: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ( )، فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموما أمر مفروغ منه ومسلم به فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله وإجماع الأمة على ذلك ( ).
3- وجوب محبتهم والدعاء والاستغفار لهم: من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله × وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم و الاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله × والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله × على ذلك كله، قال تعالى: +وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [الحشر: 10]، هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفئ ما قدموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو أحدا منهم أو اعتقد فيه شرا أنه لا حق له في الفئ، روى ذلك عن الإمام مالك وغيره، قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد × أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فئ المسلمين، ثم قرأ +وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ" ( )، وقد فهم متقدمو أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار لهم من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله ×، روى مسلم بإسناده على هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي × فسبوهم ( ).
وروى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر قال: حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مطرف عن مصعب بن سعد بن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ: +لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا" [الحشر: 8]، هؤلاء المهاجرين وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: +وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر: 9]، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه المنزلة قد مضت ثم قرأ: +وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"، قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم ( )، ولا يتردد من له أدنى علم في أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:50 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (10)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها
سابعا: موقف الشيعة من السنة النبوية
معنى السنة النبوية في اصطلاح الأصوليين، ما نقل عن النبي × من قول أو فعل أو تقرير ( )، ولقد اهتم علماء أهل السنة بتدوين السنة الصحيحة وبذلوا جهودا عظيمة من أجل حمايتها من الوضع والوضاعين، وقد بذلوا جهدا لا مزيد عليه، وقد سلكوا طرقا هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا -رحمهم الله- هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.
وقد سار علماء أهل السنة على الخطوات التالية في سبيل النقد حتى أنقذوا السنة مما دبر لها من كيد، ونظفوها مما علق بها من أوحال ( ).
1- إسناد الحديث: لم يكن صحابة رسول الله × بعد وفاته يشك بعضهم في بعض, ولم يكن التابعون يتوقفون عن قبول أي حديث يرويه صحابي عن رسول الله ×، حتى وقعت الفتنة وقام اليهودي الخاسر عبد الله بن سبأ بدعوته الآثمة التي يتبناها على فكرة التشيع الغالى القائل بإلهية علي -رضي الله عنه-، وأخذ الدس على السنة يربو عصرا بعد عصر، عندئذ بدأ العلماء من الصحابة والتابعين يتحرون في نقل الأحاديث ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها وروايتها واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم.
يقول ابن سيرين فما يرويه عن الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وقد ابتدأ هذا التثبيت منذ عهد صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم إلى زمن الفتنة، فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن مجاهد أن بشيرا العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله كذا، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب و الذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، ثم أخذ التابعون في المطالبة بالإسناد حين فشا الكذب، يقول أبو العالية: كنا نسمع الحديث عن الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم، ويقول ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ويقول ابن المبارك أيضا: بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد ( ).
2- التوثق من الأحاديث: وذلك بالرجوع إلى الصحابة والتابعين وأئمة هذا الفن، فلقد كان من عناية الله بسنة نبيه أن مد أعمار عدد من أقطاب الصحابة وفقهائهم ليكونوا مرجعا يهتدي الناس بهديهم، فلما وقع الكذب لجأ الناس إلى هؤلاء الصحابة يسألونهم ما عندهم أولا، ويستفتونهم فيما يسمعونه من أحاديث وآثار، ولهذا الغرض كثرت رحلات التابعين بل بعض الصحابة أيضا من مصر إلى مصر، ليسمعوا الأحاديث الثابتة من الرواة الثقات، ولذلك سافر جابر بن عبد الله إلى الشام، وأبو أيوب إلى مصر لسماع الحديث.
3- نقد الرواة، وبيان حالهم من صدق وكذب: وهذا باب عظيم وصل منه العلماء إلى تمييز الصحيح من المكذوب والقوي من الضعيف وقد أبلوا فيه بلاء حسنان وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم، ما خفي من أمرهم وما ظهر، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ( ).
وقد وضعوا لذلك قواعد ساروا عليها فيمن يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، ومن يكتب عنه ومن لا يكتب.. ومن أهم أصناف المتروكين الذين لا يؤخذ حديثهم:
‌أ- الكذابون على رسول الله ×: وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يؤخذ حديث من كذب على النبي ×، كما أجمعوا على أنه من أكبر الكبائر، واختلفوا في كفره، فقال به جماعة، وقال آخرون بوجوب قتله، واختلفوا في توبته هل تقبل أما لا؟.
‌ب- الكذابون في أحاديثهم العامة: ولو لم يكذبوا على رسول الله ×، وقد اتفقوا على أن من عرف عنه الكذب ولو مرة واحدة ترك حديثه.
‌ج- أصحاب البدع والأهواء: وكذلك اتفقوا على أنه لا يقبل حديث صاحب البدعة إذا كفر ببدعته، وكذا إذا استحل الكذب وإن لم يكفر ببدعته، أما إذا لم يستحل الكذب فهل يقبل أم لا؟ أو يفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ قال ابن كثير: في ذلك نزاع قديم وحديث, والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره( ) والذي يظهر لي أنهم يرفضون رواية المبتدع إذا روى ما يوافق بدعته، أو كان من طائفة عرفت بإباحة الكذب ووضع الحديث في سبيل أهوائها، ولهذا رفضوا رواية الرافضة، وقبلوا رواية المبتدع إذا كان هو أو جماعته لا يستحلون الكذب كعمران بن حطان ( ).
‌د- الزنادقة والفساق والمغفلون الذين لا يفهمون ما يحدثون: وكل من لا تتوافر فيهم صفات الضبط والعدالة والفهم.
وقد وضع علماء الحديث القواعد لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف من أقسام الحديث، ووضعوا قواعد لمعرفة الموضوع وذكروا له علامات يعرف بها، كركاكة اللفظ، وفساد المعنى، ومخالفته لصريح القرآن ومخالفته لحقائق التاريخ المعروفة في عهد النبي × وغيرها من العلامات ( ).
وبتلك الجهود الموفقة استقام أمر الشريعة بتوطيد دعائم السنة التي هي ثاني مصادرها التشريعية، واطمأن المسلمون على حديث نبيهم فأقصى عنه كل دخيل، وميز بين الصحيح والحسن والضعيف، وصان الله شرعه من عبث المفسدين ودس الدساسين وتآمر الزنادقة والشعوبيين، وقطف المسلمون ثمار النهضة الجبارة المباركة التي كان من أبرزها تدوين السنة وعلم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وعلوم الحديث ( ).
موقف الشيعة من السنة بسبب تكفيرهم للصحابة: كان لنظرة الشيعة ورأيهم في الإمامة أثر في تكفيرهم لمعظم الصحابة -رضي الله عنهم-، وهذا التكفير الشنيع ترتب عليه إنكار الشيعة كل الأحاديث الورادة عن طريق الصحابة ولم يقبلوا إلا الأحاديث الواردة عن طريق الأئمة من أهل البيت أو ممن نسبوهم إلى التشيع كسلمان الفارسي وعمار وياسر وأبي ذر والمقداد بن الأسود، وقد شنوا هجوما عنيفا على رواة الحديث كأبي هريرة وسمرة بن جندب، وعروة بن الزبير، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وغيرهم، واتهموهم بالوضع والتزوير والكذب ( )، وعد الإمام عبد القاهر البغدادي الشيعة من المنكرين للسنة لرفضهم قبول مرويات صحابة رسول الهدى × ( ).
فالشيعة تحارب السنة، ولهذا فإن أهل السنة اختصوا بهذا الاسم لاتباعهم سنة المصطفى × ( )، هذا ما جاء به بعض مصادر أهل السنة، ولكن الشيعة تروي عن أئمتها: أن كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق الكتاب والسنة فهو زخرف ( )، وبهذا المعنى روايات أخر ( ) عندهم، وهو يفيد أن الشيعة لا تنكر سنة رسول الله ×، بل تعتمد عليها، وتجعلها مع كتاب الله الميزان والحكم، والدارس لنصوص الشيعة ورواياتها ينتهي إلى الحكم بأن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاهًا مجانبًا عن السنة التي يعرفها المسلمون، في الفهم والتطبيق، وفي الأسانيد والمتون ويتبين ذلك فيما يلي:
1- قول الإمام كقول الله ورسوله: فالسنة عندهم هي: كل ما يصدر عن المعصوم، من قول أو فعل أو تقرير ( )، ومن لا يعرف طبيعة مذهبهم لا يلمح مدى مجانبتهم للسنة في هذا القول، إذ إن المعصوم هو رسول الله، ومن يجعلون كلامهم مثل كلام الله وكلام رسوله، وهم الأئمة الاثنا عشر, لا فرق عندهم في هذا بين هؤلاء الاثنى عشر وبين من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ( )، فهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي( ).
ولا فرق في كلام هؤلاء الاثنى عشر بين سن الطفولة، وسن النضج العقلي، إذ إنهم -في نظرهم- لا يخطئون عمداً ولا سهوا ولا نسيانا طوال حياتهم -كما مر معنا في مسألة العصمة- ولهذا قال أحد شيوخهم المعاصرين: إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي × كما هو الحال عند أهل السنة ( )، فالسنة عندهم ليست سنة النبي فحسب، بل سنة الأئمة، وأقوال هؤلاء الأئمة كأقوال الله ورسوله، ولهذا اعترفوا بأن هذا مما ألحقته الشيعة بالسنة المطهرة، قالوا: وألحق الشيعة الإمامية كل ما يصدر عن أئمتهم الاثنى عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة ( ).
هم يقولون بهذا القول من منطلقين خطيرين، وقاعدتين أساسيتين عندهم في هذه المسألة، وقد أشار أحد شيوخهم المعاصرين إليهما حينما ذكر أن قول الإمام يجري مجرى قول النبي ×, من كونه حجة على العباد واجب الاتباع، وأنهم لا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، فبين أن ذلك يتحقق لهم من طريقين: من طريق الإلهام كالنبي، أي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي عن المعصوم قبله ( ).
وهم يزعمون أن الأئمة هم خزنة علم الله ووحيه: وقد عقد صاحب الكافي بابا لهذا بعنوان: باب أن أئمة -عليهم السلام- ولاة أمر الله وخزنة علمه ( )، وضمن هذا الباب ست روايات في هذا المعنى، وبابا آخر بعنوان: إن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم ( )، وفيه سبع روايات، وبابا ثالثا بعنوان: إن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل -عليهم السلام- ( )، وفيه أربع روايات ( )، وقد توسع الشيعة الرافضة في هذا الباب ونكتفي بهذا القدر من المصادر الوهمية التي تزعمها الرافضة، والتي يغني في بيان فسادها مجرد عرضها وتصورها.
ونتيجة لذلك التصور عن الأئمة، فإن الشيعة الرافضة لم يهتموا بصحة الإسناد وتقويم الرجال، كما اهتم علماء الحديث من أهل السنة وفي الوقت الذي رفض فيه الشيعة صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنة، المعتمدة الموثقة، اعتمدوا في أحاديثهم على ما نقله الكليني الذي سبق أن أوردنا أقواله في كثير من عقائدهم وعدوه حجة، ويعد كتابه الكافي ( ) من أقدم كتب الشيعة في الحديث وأوثقها عندهم، ويصور أحد الشيعة مكانة هذا الكتاب لديهم فيقول: وقد اتفق أهل الإمامة وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب، والأخذ به والثقة بخبره والاكتفاء بأحكامه، وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره، وعلى أنه القطب الذي عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم، وهو عندهم أجل وأفضل من جميع أصول الأحاديث، علما بأن جل ما في الكافي -كما يقول أبو زهرة- أخبار تنتهي عند الأئمة، ولا يصح أن نقول أنه يذكر سندا متصلا بالنبي ×، ولا أن يدعي أن هذه أقوال النبي ×، إلا على أساس أن أقوال أئمتهم هي أقوال النبي ×، وأنها دين الله تعالى.. وأكثر ما يروى في الكافي واقف عند الصادق وقليل منه ما يعلو إلى أبيه الباقر، وأقل من ذلك ما يعلو إلى أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- ونادرا ما يقف عند النبي ×( )، كما أن هناك كتاب: (من لا يحضره الفقه) جمعه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، الذي يلقبونه بالشيخ الصدوق، وهو أيضا من أكبر علمائهم بخراسان (توفي 381هـ)، ومن الكتب المعتمدة عند الشيعية: كتابا (تهذيب الأحكام) و (الاستبصار فيما اختلف من الأخبار) لمحمد بن الحسن الطوسي، وهذه الكتب الشيعية مليئة بعشرات الألوف من الأحاديث التي لا يمكن إثبات صحتها، بل معظمها موضوع مختلق ( )، مثل ما سبق أن أشرنا إليه من الأحاديث التي اعتمدوا عليها في دفاعهم عن أحقية الإمام علي بالإمامة, من هذا العرض لآراء الشيعة ومعتقداتهم، والشيعة يعترفون أو على الأقل بعض منهم بأن في تلك الكتب بعض الروايات الموضوعة، كما أنهم أنفسهم جرحوا بعض رواتهم، وإذا كان الأمر كذلك فيمكن أن يأخذ الشيعة بوصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما قال: الزموا دينكم واهتدوا بهدي نبيكم واتبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن فما عرفه فالزموه، وما أنكره فردوه ( )، وقوله -رضي الله عنه-: (واقتدوا بهدي نبيكم ×، فإنه أفضل الهدي واستنوا بسنته، فإنه أفضل السنن) ( )، وأن يلتزموا بطريقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في فهم الأحكام من القرآن الكريم ومعاني الآيات فيلتزموا بظاهر القرآن الكريم، وحمل المجمل على المفسر، والمطلق على المقيد، وأن يراعوا الناسخ والمنسوخ والنظر في لغة العرب، وفهم النص بنص آخر، والسؤال عن مشكله، والعلم بمناسبة الآيات، وتخصيص العام، وأن يتعلموا من أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- كيف يحترمون مقام النبوة، ويتعاملون مع سنة الرسول × وفق هديه الذي بينته في هذا الكتاب، ثم يعرضون رواياتهم التي في كتبهم على العدلين، كتاب الله وسنة رسوله، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله × قبلوه وما خالفها نبذوه، وحذروا أتباعهم منه، وخصوصا تلك الروايات التي تسيء إلى أئمتهم أنفسهم فضلا عن الإسلام.
إن دين الله كمل، قال تعالى: +الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" [المائدة: 3]، ورسول الله × بلغ جميع ما أنزل إليه وامتثل أمر ربه في قوله: +يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" [المائدة: 67].
وقد بلغ النبي × البلاغ المبين، وأقام الحجة على العالمين، وأعلن ذلك بين المسلمين، ولم يسر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: +إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ  إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا" [البقرة: 159، 160]، وقال: +وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ" [النحل: 64]، فالدين قد تم وكمل، لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل( )، لا من إمام مزعوم، ولا من غائب موهوم ( )، وقد ودع المصطفى الدنيا بعد أن بلغ الدين كله وبين جميعه كما أمره ربه، قال ×: «تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»( )، وقال أبو ذر -رضي الله عنه-: لقد تركنا محمد × وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما ( ).
ثامنًا: التقية عند الشيعة
1- تعريفها عند الشيعة الرافضة: فيقول شيخهم المفيد: التقية كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين والدنيا ( )، ويقول يوسف البحراني -أحد كبار علمائهم في القرن الثاني عشر-: المراد بها إظهار موافقة أهل الخلاف فيما يدينون به خوفا ( )، ويقول الخميني: التقية معناها أن يقول الإنسان قولا مغايرا للواقع أو يأتي بعمل مناقض لموازين الشريعة وذلك حفظا لدمه وعرضه أو ماله ( )، فهذه ثلاثة تعريفات للتقية لثلاثة من كبار علماء الشيعة الرافضة جاؤوا في فترات زمنية مختلفة، وهذا التعريفات تدور حول أربعة أحكام رئيسية للتقية عندهم وهي:
* أن معنى التقية أن يُظهر الإنسان لغيره خلاف ما يبطن.
* أن التقية تستعمل مع المخالفين ولا يخفي دخول كافة المسلمين تحت هذا العموم.
* أن التقية تكون فيما يدين به المخالفون من أمور الدين.
* أن التقية إنما تكون عند الخوف على الدين أو النفس أو المال، وهذه أربعة أحكام هي محور عقيدة التقية عندهم ( ).
2- مكانتها عند الشيعة الرافضة: فهي تحتل منزلة عظمية ومكانة رفيعة، دلت عليها روايات عديدة جاءت في أمهات الكتب عندهم، فقد روى الكليني وغيره عن جعفر الصادق أنه قال: التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له ( ).
وعن أبي عبد الله أنه قال: إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين ( ).
وفي المحاسن: عن حبيب بين بشير عن أبي عبد الله أنه قال: لا والله ما على الأرض شيء أحب إلى من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم يكن له تقية وضعه الله ( ).
وفي أمالي الطوسي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية ( ).
وفي الأصول الأصلية: عن علي بن محمد من مسائل داود الصرمي: قال: قال لي: يا داود لو قلت لك إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا ( ).
وعن الباقر أنه سئل: من أكمل الناس؟ قال: أعملهم بالتقية وأقضاهم لحقوق إخوانه( ).
وعنه أيضا أنه قال: أشرف أخلاق الأئمة الفاضلين من شيعتنا استعمال التقية ( ).
فدلت هذه الروايات على مكانة التقية عندهم، ومنزلتها العظيمة في دينهم، فالتقية عند الشيعة الرافضة من أهل أصول الدين، فلا إيمان لمن لا تقية له، والتارك للتقية كالتارك للصلاة، بل أن التقية عندهم أفضل من سائر أركان الإسلام، فالتقية تمثل تسعة أعشار دينهم، وسائر أركان الإسلام وفرائضه تمثل العشر الباقي ( )، وقد ذكر صاحب الكافي أخبارًا في (باب التقية) ( )، و(باب الكتمان) ( )، (باب الإذاعة) ( )، وذكر المجلسي في بحاره من رواياتهم فيها مائة وتسع رواياتهم في باب عقده بعنوان (باب التقية والمداراة)( ).
3- سبب الغلو في أمر التقية يعود إلى عدة أمور منها:
(‌أ) أن الشيعة الرافضة تعد إمامة الخلفاء الثلاثة باطلة: وهم من بايعهم في عداد الكفار، مع أن عليا -رضي الله عنه- بايعهم وصلى خلفهم، وجاهد معهم وزوج عمر ابنته أم كلثوم، وتسرى من جهاده مع أبي بكر، ولما ولي الخلافة سار على نهجهم ولم يغير شيئا مما فعله أبو بكر وعمر، كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها، وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه، فحاولوا الخروج من هذا التناقض المحيط بهم بالقول بالتقية ( )، واستخدموا مبدأ التقية لتفسير أحداث تاريخهم فذهبوا إلى أن سكوت على عن أبي بكر رضي الله عنهما كان تقية، وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية كان تقية، واختفاء أئمتهم وسترهم كان تقية منهم، وهكذا يمكن تفسير كل الأحداث التي تناقض عقيدتهم بالتقية ( ).
(ب) أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا يسهون ولا يخطئون ولا ينسون: وهذه الدعوى خلاف ما هو معلوم من حالهم، حتى إن روايات الشيعة نفسها المنسوبة للأئمة مختلفة متناقضة حتى لا يوجد خبر منها إلا وبإزائه ما يناقضه، كما اعترف بذلك شيخهم الطوسي ( )، وهذا ينقض مبدأ العصمة من أصله فقالوا بالتقية لتبرير هذا التناقض والاختلاف والتستر على كذبهم على الأئمة، روى صاحب الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله -عليه السلام-: ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيه بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان ( )، قال شارح الكافي: أي زيادة حكم عند التقية، ونقصانه عند عدمها، ولم يكن ذلك مستندا إلى النسيان والجهل، بل لعلمهم بأن اختلاف كلمتهم أصلح لهم، وأنفع لبقائهم إذ لو اتفقوا لعرفوا بالتشيع، وصار ذلك سببا لقتلهم وقتل الأئمة عليهم السلام ( ).
(ج) تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة: ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت بحيث يوهمون الأتباع أن ما ينقله (واضعوا مبدأ التقية) عن الأئمة هو مذهبهم، وإنما اشتهر وذاع عنهم، وما يقولونه، ويفعلونه أمام المسلمين لا يمثل مذهبهم وإنما يفعلونه تقية فيسهل عليهم بهذه الحيلة أقوال الأئمة، والدس عليهم، وتكذيب ما يروى عنهم من حق، فتجدهم مثلا يردون كلام الإمام محمد الباقر أو جعفر الصادق الذي قاله أمام ملأ من الناس، أو نقله العدول من المسلمين بحجة أنه حضره بعض أهل السنة، فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينفرد بنقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لا يوجد أحد يتقيه في كلامه، وبحسبك أن تعرف أن الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي -رضي الله عنه- كما تنقله كتب الاثنى عشرية نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن من يلقبونه بـ (شيخ الطائفة) لا يأخذ بهذا الحديث ولا يجد حجة يحتج بها سوى التقية، فهو يرد الحديث في الاستبصار عن زيد بن علي عن جده علي بن أبي طالب قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله × حين ابتدأت الوضوء -إلى أن قال- وغسلت قدمي، فقال لي: (يا علي خلل بين الأصابع، لا تخلل بالنار)( )، فأنت ترى أن عليا كان يغسل رجليه في وضوئه، وأن رسول الله × أكد عليه بأن يخلل أصابعه والشيعة تخالف في سنة رسول الله × وهدي علي -رضي الله عنه- في ذلك، ولا تلتفت لمثل هذه الروايات، وإن جاء في كتبها بروايات أئمة أهل البيت، ولا يكلف شيوخ الشيعة أنفسهم بالتفكير في أمر هذه الروايات ودراستها، فلديهم هذه الحجة الجاهزة ( ) «التقية».
ولهذا قال الطوسي: هذا خبر موافق للعامة -يعني أهل السنة- وقد ورد مورد التقية لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا -عليهم السلام- القول بالمسح على الرجلين، ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة، ورجال الزيدية، وما يختصون به ( ) لا يعمل به، وفي النكاح: جاءت عندهم روايات في تحريم المتعة، ففي كتبهم عن زيد بن علي عن آبائه عن علي -عليه السلام-، قال: حرم رسول الله × يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة ( ) وقال شيخهم الحر العاملي أقول: حمله الشيخ ( )، وغيره على التقية يعني في الرواية، لأن إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية ( )، وفي قسمة المواريث: أن المرأة لا ترث من العقار والدور والأرضين شيئا ( )، ولما يأتي عندهم نص عن الأئمة يخالف ذلك وهو حديث أبي يعقوب عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئا؟، أو يكون في ذلك منزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئا؟، فقال: يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركت ( )، قال الطوسي: نحمله على التقية، لأن جميع من خالفنا يخالف في هذه المسألة، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه ( ).
(د) وضع مبدأ التقية لعزل الشيعة عن المسلمين: لذلك جاءت أخبارهم فيها علي هذا المنط، يقول إمامهم «أبو عبد الله»: ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه ( )، وقد كان من آثار عقيدة التقية ضياع مذهب الأئمة عند الشيعة، حتى إن شيوخهم لا يعلمون في الكثير من أقوالهم أيها تقية وأيها حقيقة ( )، ووضعوا لهم ميزانا، أخرج المذهب إلى دائرة الغلو، وهو أن من خالف العامة فيه الرشاد ( ).
وقد اعترف صاحب الحدائق بأنه لم يعلم من أحكام دينهم إلا القليل بسبب التقية، حيث قال: فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلى القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في جامعه الكافي، حتى إنه تخطى العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار ( ).
وأما تطبيق التقية عندهم فهو خبر كاشف بأن تقيتهم غير مرتبطة بحالة الضرورة، وقد اعترف يوسف البحراني بأن الأئمة يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة، وإن لم يكن بها قائل من المخالفين( ).
4-مفهوم التقية عند أهل السنة: إن مفهوم التقية في الإسلام غالبا، إنما هي مع الكفار، قال تعالى: +إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" [آل عمران: 28]، قال ابن جرير الطبري: التقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا غيرهم ( )، ولهذا يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أن يتقوا منهم تقاة ( ).
ولكن تقية الشيعة هي مع المسلمين ولا سيما أهل السنة حتى إنهم يرون عصر القرون المفضلة عهد تقية، كما قرره شيخهم المفيد، وكما تلحظ ذلك من نصوصهم التي ينسبونها للأئمة، لأنهم يرون أهل السنة أشد كفرا من اليهود والنصارى، لأن منكر إمامة الاثنى عشر أشد من منكر النبوة ( ).
والتقية رخصة في حالة الاضطرار: ولذلك استثناها -سبحانه- من مبدأ النهي عن موالاة الكفار فقال سبحانه: +لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ" [آل عمران: 28]، فنهى الله -سبحانه- عن موالاة الكفار، وتوعد على ذلك أبلغ الوعيد فقال: +وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ" [آل عمران: 28]، أي: من يرتكب نهي الله فقد برئ من الله، ثم قال سبحانه: +إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" أي: من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ( ).
وأجمع أهل العلم على أن التقية رخصة في حال الضرورة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أن لا يحكم عليه بالكفر ( )، ولكن من اختار العزيمة في هذا المقام فهو أفضل، قال ابن بطال: وأجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ( )، ولكن التقية عند الشيعة خلاف ذلك فهي عندهم ليست رخصة بل هي ركن من أركان دينهم ( ).
والتقية في دين الإسلام دين الجهاد والدعوة لا تمثل نهجا عاما في سلوك المسلم ولا سمة من سمات المجتمع المسلم، بل هي -غالبا- حالة فردية مؤقتة، مقرونة بالاضطرار، ومرتبطة بالعجز عن الهجرة، وتزول بزوال حالة الإكراه أما في المذهب الشيعي تعد طبيعة ذاتية في بنية المذهب، وحالة مستمرة وسلوك اجتماعي دائم ( )، وقد قرر أهل العلم من خلال معرفتهم بواقع الشيعة أن تقيتهم إنما هي الكذب والنفاق ليس إلا، وقد فرق ابن تيمية -رحمه الله- بين تقية النفاق والتقية في الإسلام فقال:.... ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق ولكن أفعل ما أقدر عليه... فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار، لم يكن عليه أن يجاهدهم بيديه مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه، وإلا فبقلبه مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه ومع هذا لا يوافقهم على جميع دينهم كله, بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون, حيث لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه شيئا، وإظهاره الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله قط إلا من أكره بحيث أتيح لهم النطق بكلمة الكفر فيعذره الله بذلك، والمنافق والكاذب لا يعذر بحال، ثم إن المؤمن الذي يعيش بين الكفر مضطرا ويكتم إيمانه يعاملهم -بمقتضى الإيمان الذي يحمله- بصدق أمانة ونصح وإرادة الخير بهم وإن لم يكن موفقا لهم على دينهم، كما كان يوسف الصديق في أهل مصر وكانوا كفارا، وبخلاف الرافض الذي لا يترك شرا يقدر عليه إلا فعله بمن يخالفه ( ).
ولقد لخص الشيخ سلمان العودة الفروق بين التقية عن أهل السنة والرافضة فقال: إن التقية عند أهل السنة استثناء مؤقت مخالف للأصل، أما عند الشيعة فواجب مفروض حتى يقوم القائم من آل البيت، وينتهى العمل بها عند أهل السنة بمجرد زوال السبب الداعي إليها، أما عند الشيعة فواجب جماعي مستمر لا ينتهي العمل به حتى يخرج مهديهم الذي لا يخرج أبدًا، وتقية أهل السنة هي مع الكفار في الغالب، وقد تكون مع الفساق الظلمة، أما تقية الشيعة فهي أصلا مع المسلمين المخالفين لهم من أهل السنة، إن التقية عند أهل السنة حالة ممقوتة يلجأ إليها المسلم دون رضا واطمئنان إليها، أما عند الشيعة فقد أصبحت خلة ممدوحة مرضية، جاء في مدحها النصوص عن أئمتهم الكثير ( ).
تاسعا: المهدي المنتظر بين الشيعة والسنة
1-عقيدة المهدي المنتظر عند الشيعة: من أبرز عقائد الشيعة الرافضة التي تكاد تمتليء بها كتبهم عقيدة المهدي المنتظر، ويقصد الرافضة الإمامية بالمهدي المنتظر: محمد بن الحسن العسكري، وهو الإمام الثاني عشر عندهم، ويطلقون عليه الحجة، كما يطلقون عليه القائم( )، ويزعمون أنه ولد سنة 255هـ واختفى في سرداب (سر من رأى) سنة 265هـ، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، لينتقم لهم من أعدائهم وينتصر لهم ( )، ولا زال الشيعة الرافضة يزورونه بسرداب (سر من رأى)( ) ويدعونه للخروج ( )، وهذا المهدي الذي يدعيه الرافضة معدوم لا وجود له: فالحسن العسكري الذي ينسبون إليه المهدي مات ولم يعقب أحدًا، فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر، وقد صاحب عقيدة المهدي المنتظر عند الشيعة الرافضة، خرافات وأساطير كبيرة لا يصدقها عاقل، ويعتقدون أن المهدي من ولد الحسين ( )، ويروون العجائب في ولادته ( )، ويقولون عندما يخرج يجتمع إليه الشيعة الرافضة من كل مكان ( )، ويخرج الصحابة من قبورهم ويعذبهم ( )، ويقتل العرب، وقريش ( )، ويهدم الكعبة والمسجد النبوي وكل المساجد ( )، ويدعو إلى دين جديد وكتاب جديد وقضاء جديد ( )، ويستفتح المدن بتابوت اليهود ( )، وتنبع له عينان من ماء ولبن، ويصير الرجل من الشيعة الرافضة بقوة أربعين رجلا، ويمد لهم في أسماعهم وأبصارهم ويحكم بحكم آل داود ( ).
وعقيدة الشيعة الرافضة في مهديهم المنتظر باطلة، وقد دل على بطلانها عدة أوجه:
(أ) ثبوت عدم ولادة هذا المهدي: فقد اقتضت حكمة العلي القدير أن يموت الحسن العسكري الإمام الحادي عشر عند الرافضة ولي له ولد، فكانت فضيحة كبيرة وخذلانا عظيما للشيعة الرافضة إذ كيف يموت الإمام ولا يوجد له من الأولاد من يخلفه في الإمامة، فعقيدة الشيعة الرافضة تنص على أن الذي يخلف الإمام بعد موته ولده، ولا يجوز أن تكون الإمامة في الإخوة بعد الحسن والحسين ( )، وعدم ولادة المهدي ثابتة في كتب الشيعة أنفسهم ( ).
(ب) لا معنى لاختفاء المهدي: لو سلمنا جدلا بولادة هذا المهدي، فإنه لا معنى لاختفاءه هذه الفترة الطويلة في السرداب، وإذا سئل الشيعة الرافضة عن الحكمة من اختفائه في السرداب وعدم خروجه للناس، فإنهم يعللون ذلك بأنه خشي على نفسه القتل ( )، وهذه علة واهية قد دل على بطلانها عدة أدلة منها: أنه قد جاء في كتبكم أنه سيكون منصورا ومؤيدا من الله تعالى، وأنه يملك مشارق الأرض ومغاربها فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ويعيش حتى زمن نزول عيسى بن مريم -عليه السلام- ( )، كما أن قولهم هذا يترتب عليه أن المهدي لن يخرج حتى تذهب دول الجور والظلم والفساد ليأمن على نفسه من القتل، وعندئذ لا حاجة في خروجه، وهذه الدول تستطيع أن تحمي المهدي لو خرج فلماذا لم يخرج؟، إن من لا يستطيع أن يحمي نفسه من القتل، فمن باب أولى عجزه عن حماية غيره، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف تنتظرون من هذه صفته أن ينتقم لكم من أعدائكم وينصركم نصرا مؤزرا، وبهذا تكون قد بطلت دعواهم، بأن العلة من عدم خروج المهدي هي: الخوف من القتل، وبناء على هذا تبطل دعوى وجود المهدي أصلا، إذ لا سب يمنعه من الاستتار غير خوفه من القتل، كما صرح بذلك شيخ الطائفة الطوسي ( )، فتكون دعوى وجود المهدي باطلة بشهادة علمائهم، وهذا من توفيق الله وعظيم فضله.
(ج) أنه لم تحصل منفعة بهذا المهدي: ومما يدل على بطلان عقيدة الشيعة الرافضة في المهدي المنتظر: أن هذا المهدي الذي تدعيه الرافضة لم تحصل به مصلحة في شيء من أمور الدين أو الدنيا ولم ينتفع منه المسلمون بشيء لا الرافضة ولا غيرهم، قال ابن تيمية رحمه الله: إن هذا المعصوم الذي يدعون أنه في وقت ما قد ولد عندهم لأكثر من أربعمائة وخمسين سنة ( )، فإنه دخل السرداب عندهم سنة ستين ومائتين، وله خمس سنين عند بعضهم وأقل من ذلك عند آخرين، ولم يظهر عنه شيء مما يفعله الإمام المعصوم، فأي منفعة للوجود في مثل هذا لو كان موجودا فكيف إذا كان معدوما، والذين آمنوا بهذا المعصوم أي لطف وأي منفعة حصلت لهم به نفسه في دينهم أو دنياهم... إلى أن قال: وهذا الذي تدعيه الرافضة إما مفقود عندهم، وإما معدوم عند العقلاء، وعلى التقدير فلا منفعة لأحد به في دين ولا دنيا( )، والشيعة الاثنا عشرية في هذا العصر نقضوا هذه العقيدة عمليا من خلال اعتقادهم بنظرية ولاية الفقيه، وهي تجويز الحكم والولاية للمسلم العادي غير المعصوم، أو الذي ليس عليه نص من الله ورسوله بشرط العلم والعدل.
2-عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي: بينت الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يخرج في آخر الزمان رجلا من أهل البيت يؤيد الله به الدين، يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلا وسلاما، كما ملئت جورا وظلما، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، وتخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد، ومن هذه الأحاديث:
(أ) عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ×: «يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا( ) وتكثر الماشية، وتعظم الأمة ويعيش سبعا أو ثماني» ( )، يعني حججا ( ).
(ب) وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله × «لا تقوم الساعة حتى تمتليء الأرض ظلما وعدوانا» قال: «ثم يخرج رجل من عترتي -أو من أهل بيتي- يملؤها قسطا، وعدلا، كما ملئت ظلما وعدواناً»( ).
(ج) وعن ثوبان قال -رضي الله عنه-: قال رسول الله ×: «يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، وتطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم»- ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال: -«فإذا رأيتموه، فبايعوه، ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي»( )، قال ابن كثير رحمه الله: والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، يكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامراء كما يزعم جهلة الرافضة من أنه موجود فيه إلى الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان، لا من كتاب ولا من سنة، ولا معقول صحيح ولا استحسان... إلى أن قال: ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سودًا أيضًا وهو زي عليه الوقار، لأن راية رسول الله × كانت سوادء يقال لها العقاب... إلى أن قال: والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصله وظهوره، وخروجه من ناحية المشرق ويبايع له عند البيت كما دلت على ذلك بعض الأحاديث ( )
(د) وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله × قال: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم، وإمامكم منكم» ( ).
(هـ) وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله × قال: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» إلى أن قال: «فينزل عيسى بن مريم -عليه السلام- فيقول أميرهم: صل بنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»( ).
والأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
أحدهما: أنه عند نزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- من السماء يكون المتولي لإمرة المسلمين رجلاً منهم.
الثاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى -عليه السلام- عند نزوله أن يتقدم ليصلي بهم يدل على صلاح هذا الأمير وهداه، وجاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين، ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى: محمد بن عبد الله، ويقال له المهدي، والسنة يفسر بعضها بعضا.
(و) فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله × قال: «منا الذي عيسى بن مريم يصلي خلفه»( ).
(ز) وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ×: «المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا، ويملك سبع سنين»( )، ولا توجد أية صلة أو علاقة بين مهدي السنة ومهدي الشيعة الرافضة، وهناك بعض الفروق بينهما منها:
* أن المهدي عند أهل السنة اسمه (محمد بن عبد الله) فاسمه يوافق اسم النبي × واسم أبيه يوافق اسم أبيه، أما مهدي الشيعة الرافضة، فاسمه محمد بن الحسن العسكري.
* أن المهدي عند أهل السنة من ولد الحسن -رضي الله عنه-، ومهدي الشيعة الرافضة من ولد الحسين.
* أن المهدي عند أهل السنة تكون ولادته ومدة حياته طبيعية، ولم يوجد في الأحاديث ما يدل على أنه يمتاز عن غيره من الناس بشيء من ذلك، أما مهدي الشيعة الرافضة فإن حملة وولادته كانت في ليلة واحدة ودخل السرداب وعمره تسع سنوات ومضى عليه الآن ما يزيد على ألف ومئة وخمسين سنة وهو في السرداب.
* أن المهدي عند أهل السنة يخرج لنصرة الإسلام والمسلمين، ولا يفرق بين جنس وجنس، وأما مهدي الشيعة الرافضة فيخرج لنصرة الشيعة الرافضة خاصة والانتقام من أعدائهم، ويكره العرب وقريشا فلا يعطيهم إلا السيف ولا يكون من أتباعه عربي، كما دلت على ذلك رواياتهم.
* أن مهدي السنة يحب صحابة النبي ×، ويرتضي عنهم ويتمسك بسنتهم، كما يحب أمهات المؤمنين ولا يذكرهن إلا بالثناء الجميل، أما مهدي الشيعة الرافضة فيبغض أصحاب النبي × ويخرجهم من قبورهم ويعذبهم ثم يحرقهم -على حد زعمهم- وكذلك يبغض أمهات المؤمنين، ويحاد أحب نساء النبي × إليه, الصديقة بنت الصديق عائشة -رضي الله عنها- على حد زعمهم.
* أن مهدي أهل السنة يعمل بسنة النبي × فلا يترك سنة إلا أقامها، ولا بدعة إلا قمعها، أما مهدي الشيعة الرافضة فإنه يدعو إلى دين جديد وكتاب جديد.
* أن مهدي السنة يقيم المساجد ويعمرها، وأما مهدي الشيعة الرافضة فيهدم المساجد ويخربها، فيهدم المسجد الحرام والكعبة، ومسجد النبي ×، ولا يبقي مسجدا واحدا على وجه الأرض -كما صرحت بذلك رواياتهم-.
* أن مهدي السنة يحكم بكتاب الله وسنة نبيه ×، أما مهدي الشيعة الرافضة فيحكم بحكم آل داود.
* أن مهدي السنة يخرج من المشرق، أما مهدي الشيعة الرافضة فيخرج من سرداب سامراء.
* أن مهدي السنة حقيقة ثابتة دلت عليها أحاديث النبي × وأقوال العلماء قديما وحديثا، أما مهدي الشيعة الرافضة فوهم من الأوهام لم يخرج ولن يخرج في يوم من الأيام( ).
عاشرًا: عقيدة الرجعة عند الشيعة الرافضة:
الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ( )، وقال ابن بابويه في الاعتقادات: واعتقادنا في الرجعة أنه حق ( )، وقال المفيد: واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات ( )، وقال الطبرسي والحر العاملي وغيرهما من شيوخ الشيعة: إنها موضع إجماع الشيعة الإمامية ( )، وإنها من ضروريات مذهبهم، وإنهم مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها، وتحديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت كالإقرار بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة ( )، ومعنى الرجعة: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت ( )، وقد ذهبت فرق شيعية كثيرة إلى القول برجوع أئمتهم إلى هذه الحياة ومنهم من يقر بموتهم ثم رجعتهم، ومنهم من ينكر موتهم ويقول بأنهم غابوا وسيرجعون، وكان أول من قال بالرجعة ابن سبأ، إلا أنه قال بأنه غاب وسيرجع ولم يصدق بموته، وكانت عقيدة الرجعة خاصة برجعة الإمام عند السبئية، والكيسانية وغيرهما، ولكنها صارت عن الاثنى عشرية عامة للإمام وكثير من الناس، ويشير الألوسي إلى أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة الإمام فقط، إلى ذلك المعنى العام كان في القرن الثالث ( )، وأما المفهوم العام لمبدأ الرجعة عند الاثنى عشرية فهو يشمل ثلاثة أصناف هم:
(1) الأئمة الاثنا عشر، حيث يخرج المهدي من مخبئه، ويرجع عن غيبته، وباقي الأئمة يحيون بعد موتهم ويرجعون لهذه الدنيا.
(2) ولاة المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة -في نظرهم - من أصحابها الشرعيين «الأئمة الاثنى عشر» فيبعث خلفاء المسلمين وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان... ومن قبورهم يرجعون لهذه الدنيا -كما يزعم الشيعة - للاقتصاص منهم بأخذهم الخلافة من أهلها فتجري عليهم عمليات التعذيب والقتل و الصلب.
(3) عامة الناس، ويخص منهم: من محض الإيمان محضا، وهم الشيعة عموما، ولأن الإيمان خاص بالشيعة، كما تتفق على ذلك رواياتهم وأقوال شيوخهم ومن محض الكفر محضا وهم كل الناس ما عدا المستضعفين ( ).
ولهذا قالوا في تعريف الرجعة: إنها رجعة كثر من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة ( )، وعودتهم إلى الحياة بعد الموت ( ) في صورهم التي كانوا عليها ( ).
واتجه شيوخ الشيعة إلى كتاب الله سبحانه ليأخذوا منه الدليل على ثبوت الرجعة التي يتفردون بها عن سائر المسلمين، ولما لم يجدوا بغيتهم تعلقوا كعادتهم بالتأويل الباطني، وركبوا متن الشطط، وتعسفوا أيما تعسف في هذا السبيل، حتى أصبح استدلالهم حجة عليهم، ودليلا على زيف معتقدهم، وبرهانا على بطلان مذهبهم، وإليك مثالا على تفسيرهم للآيات،يرى شيخ المفسرين عندهم أن من أعظم الدلالة على الرجعة قوله سبحانه: +وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ" [الأنبياء: 95]، حيث يقول ما نصه: هذه الآية من أعظم الأدلة على الرجعة، لأن أحدا من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم -يرجعون- يوم القيامة من هلك ومن لم يهلك ( )، ومع أن الآية حجة عليهم، فهي تدل على نفي الرجعة في الدنيا، إذ معناها كما صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد: حرام على أهل كل قرية أهلكوا بذنوبهم أنهم يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة ( )، وهذا كقوله سبحانه: +أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ" [يس: 31]، وقوله: +فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ" [يس: 50]، زيادة +لاَ" هنا لتأكيد معنى النفي من +وَحَرَامٌ" وهذا من أساليب التنزيل البديعة النهائية في الدقة، وسر الإخبار بعدم الرجوع مع وضوحه، هو الصدع بما يزعجهم ويؤسفهم، وفوات أمنيتهم الكبرى، وهي حياتهم الدنيا( )، وإذا كان المقصود إثبات الرجعة فيه رجعة للناس ليوم القيامة بلا ريب ( ) أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء ( ).
إن فكرة الرجعة عند الشيعة الرافضة بعد الموت مخالفة صريحة لنص القرآن الكريم، وباطلة بدلالة آيات عديدة من كتاب الله سبحانه، قال تعالى: +قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" [المؤمنون: 99، 100]، فقوله سبحانه: +وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" [المؤمنون: 99، 100]، صريح في نفي الرجعة مطلقا ( ).
فهؤلاء جميعا يسألون الرجوع عند الموت، وعند العرض على الجبار جل علاه، وعند رؤية النار يجابون، لما سبق في قضائه أنهم إليها لا يرجعون، ولذلك عد أهل العلم القول بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت من أشد مراحل الغلو في بدعة التشيع ( )، وقد جاء في مسند أحمد أن عاصم بن ضمرة: وكان من أصحاب علي -رضي الله عنه- قال للحسن بن علي: إن الشيعة يزعمون أن عليا يرجع، قال الحسن: كذب أولئك الكذابون، ولو علمنا ذاك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه ( )، والقول بالرجعة بعد الموت إلى الدنيا لمجازاة المسيئين وإثابة المحسنين، ينافي طبيعة هذه الدنيا وأنها ليست دار جزاء +وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ" [آل عمران: 185]، وقد كان لابن سبأ اليهودي دور التأسيس لمبدأ الرجعة، إلا أنها رجعة خاصة بعلي، كما أنه ينفي وقوع الموت عليه أصلا كحال الاثنى عشرية مع مهديهم الذي يزعمون وجوده، وعقيدة الرجعة عند الشيعة الإمامية خلاف ما علم من الدين بالضرورة من أنه لا حشر قبل يوم القيامة، وأن الله حين توعد كافرا أو ظالما إنما توعده بيوم القيامة، كما أنها خلاف الآيات والأحاديث المتواترة المصرحة بأنه لا رجوع إلى الدنيا قبل يوم القيامة ( ).
الحادي عشر: قولهم بالبداء على الله سبحانه وتعالى:
من أصول الاثنى عشرية القول بالبداء على الله، سبحانه وتعالى حتى بالغوا في أمره فقالوا: ما عبد الله بشيء مثل البداء ( )، وما عظم الله عز وجل بمثل البداء ( )، ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه ( )، وما بعث الله نبيا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء ( )، ويبدو أن الذي أرسى هذا المعتقد عند الاثنى عشرية هو الملقب عندهم بثقة الإسلام وهو شيخهم الكليني (ت 328 أو 329هـ)، حيث يوضع هذا المعتقد في قسم الأصول من الكافي، وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصص له بابا بعنوان (باب البداء) وذكر فيه ستة عشر حديثا من الأحاديث المنسوبة للأئمة ( ).
وإذا رجعت إلى اللغة العربية لتعريف معنى البدء تجد أن القاموس يقول: بدا بدوًا بدأة: ظهر، وبدا له في الأمر وبداء وبداة: نشأ له فيه رأي ( )، فالبداء في اللغة له معنيان:
[1] الظهور بعد الخفاء، تقول: بدا سور المدينة أي ظهر.
[2] نشأة الرأي الجديد، قال الفراء: بدا لي بداء أي: ظهر لي رأي آخر، قال الجوهري: بدا له في الأمر بداء أي: نشأ له فيه رأي ( )، وكلا المعنيين وردا في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: +وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ" [البقرة: 284]، ومن الثاني قوله: +ثُمَّ بَد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:50 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (11)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها
الثاني عشر: موقف أهل البيت من الشيعة الرافضة
أئمة أهل البيت كسائر أهل السنة في موقفهم من الرافضة ومن عقائدهم، فهم يعتقدون ضلالهم وانحرافهم عن السنة، وبعدهم عن الحق، وهم من أشد الناس ذما ومقتا لهم، وذلك لنسبتهم تلك العقائد الفاسدة إليهم، وكثرة كذبهم عليهم، وقد تعددت عبارات أهل البيت وتنوعت في ذم الشيعة الرافضة وبراءتهم من عقيدتهم، فمما جاء عنهم في براءتهم من عقائد الشيعة الرافضة وتأصيلهم عقيدة أهل السنة ( ):
1- ما ثبت عن علي -رضي الله عنه- وتواتر عنه أنه قال وهو على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر -رضي الله عنهما- ( )، وعنه -رضي الله عنه- قال: لا يفضلني أحد على الشيخين إلا جلدته حد المفتري ( )، وفي الصحيحين أنه قال في حق عمر عند تشييعه: ما خلفت أحدا أحب إلى من أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت أسمع كثيرا رسول الله × يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وإن كنت لأظن أن يجعلك الله معهما ( ).
وهذه الآثار -الثابتة- عن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- تناقض عقيدة الشيعة في الشيخين كما تقدم، وتدل على براءة علي -رضي الله عنه- من الشيعة الرافضة ومن عقيدتهم، وتوليه للشيخين وسائر أصحاب النبي × وحبه لهم -كما بينا سابقا- وإقراره للشيخين بالفضل عليه، وعقوبته من فضله عليهما، وتمنيه أن يلقى الله بمثل عمل عمر، فرضي الله عنه، وعن سائر أصحاب النبي الطيبين المطهرين من كل ما ينسبه إليهم أهل البدع من الشيعة الرافضة والخوارج المارقين، ثم من بعد علي -رضي الله عنه- جاءت أقوال أبنائه، في البراءة من الرافضة ومن عقيدتهم وانتقادهم لعقيدة أهل السنة ( ).
2- قول الحسن بن علي -رضي الله عنه-: عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن: إن الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة قال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة لو علمنا أنه مبعوث، ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله ( ).
وروى أبو نعيم: قيل للحسن بن علي -رضي الله عنهما: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، قال: كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد × ( ).
3- قول الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: كان يقول في شيعة العراق -الذين كاتبوه ووعدوه بالنصر، ثم تفرقوا عنه وأسلموه إلى أعدائه- «اللهم إن أهل العراق غروني وخدعوني، صنعوا بأخي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددا» ( )، ثم كانت نتيجة غدرهم وخذلانهم له استشهاده -رضي الله عنه- هو وعامة من كان معه من أهل بيته، بعد أن تفرق عنه هؤلاء الخونة، فكان مقتله -رضي الله عنه- معيبة عظيمة، ومأساة جسيمة يتفطر لها قلب كل مسلم ( ).
4- قول علي بن الحسين -رحمه الله-: ثبت عنه أنه قال: يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شينا ( ). وعنه رحمه الله، أنه جاءه نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنه- فلما فرغوا قال لهم: ألا تخبروني، أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدروهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون؟، قالوا: لا، قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم: +وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [الحشر: 10]، اخرجوا فعل الله بكم ( )!!.
5-قول محمد بن علي (الباقر): عن محمد بن علي أنه قال: أجمع بنوا فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر، أحسن ما يكون من القول ( )، وعنه -رحمه الله- أنه قال لجابر الجعفي: إن قوما بالعراق يزعمون أني أمرتهم بذلك، فأخبرهم أني أبرأ إلى الله تعالى منهم، والله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر الله لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله غافلون عنهما ( )، وعن بسام الصيرفي قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر قال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركت من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما ( ).
6-قول زيد بن علي رحمه الله: عن زيد بن علي أنه قال: كان أبو بكر إمام الشاكرين، ثم تلا: +وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 143]، ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي ( ) -رضي الله عنهما- فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر ( ).
7-قول جعفر بن محمد (الصادق): عن عبد الجبار بن عباس الهمداني، أن جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة فقال: إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوا عني من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه بريء ( )، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر، فأنا منه بريء، وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال له: يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى، ثم قال جعفر: أيسب الرجل جده؟، أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد × يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما ( )، وعن جعفر بن محمد أنه كان يقول: ما أرجو من شفاعة على شيئا، إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي مثله، لقد ولدني مرتين ( ).
وعنه -رحمه الله- أنه سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة ( )، وعنه أنه قال: بريء الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر ( )، قال الذهبي معقبا على هذا الأثر:قلت: هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، أشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق لأحد، فقبح الله الرافضة ( ).
فهذه هي أقوال أئمة أهل البيت، الطيبين الطاهرين، الذين تدعي الشيعة الرافضة إمامتهم وولايتهم، وينسبون إليهم عقيدتهم, موضحة ومبينة موقفهم من الشيعة الرافضة، ومن دينهم، وبراءتهم منهم ومن كل ما يفعلونه بهم من عقائدهم الفاسدة، ومطاعنهم على خيار الصحابة، وأمهات المؤمنين، وأن هؤلاء الأئمة من أهل البيت على عقيدة السنة، ظاهرا وباطنا، في كل كبير وصغير، فهي عقيدتهم التي بها يدينون، عليها يوالون ويعادون، وأن من نسب لهم غير ذلك فهو كاذب عليهم ظالم لهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وأخزى الله من ألصق بهم الأكاذيب ( ).
الثالث عشر: وجهة نظر التقريب بين أهل السنة والشيعة:
لقد تبين لنا من خلال البحث مدى ما عند الشيعة الروافض من ضلال وبدع وانحراف عن كتاب الله وسنة رسوله والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ومدى الأخطار والأضرار الكبيرة التي احتوت عليها كتبهم المعتمدة في مجال التفسير والتوحيد و الحديث وغيرها، وأنها تصيب المسلمين في صميم الاعتراف بهذه الكتب، التي لا يصل الكيد الاستشراقي والتبشيري إلى مستوى ما وصلت إليه من محاولات لتغيير دين الله وشرعه باسم الإسلام، بل إن الاستشراق والتبشير من معينها يرتوي، وعلى شبهاتها وأساطيرها يعتمد في إفساده وتآمره على الدين وأهله، ولهذا فإن هناك علاقة وثيقة بل تشابها تاما بين شبهات المستشرقين والمبشرين، وآراء الشيعة والروافض، وليس هذا بجديد -وهذه العلاقة تستحق أن يفرد لها رسالة علمية خاصة- فمن قديم كان الأعداء يستخدمون (آراء) الشيعة الروافض تكأة لهم في محاربة الإسلام وأهله، بل كان جنود الشيعة الروافض أمضى سلاحا في يد الأعداء، وكان التشيع الرافضي مأوى لكل من أراد هدم الإسلام من ملحد وحاقد وموتور، وأيام التاريخ مليئة بمؤامراتهم وخياناتهم ومؤازرتهم للأعداء، ومن أبرز الأسباب في ذلك أن هؤلاء الشيعة الروافض لا يؤمنون بشرعية حكومة إسلامية إلا حكومة المنتظر الذي غاب أكثر من أحد عشر قرنا، ولهذا وجد الأعداء مدخلا إلى قلوبهم من هذا الطريق ( )، قال ابن تيمية رحمه الله: وكثير منهم يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من مودته للمسلمين، ولهذا لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق وقتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها، كانت الرافضة معاونة لهم على المسلمين، وكذلك كانوا بالشام وحلب وغيرها من الرافضة كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين، وكذلك النصارى الذين قاتلوا المسلمين بالشام، كانت الرافضة من أعظم المعاونين لهم، فهم دائما يوالون الكفار -من المشركين والنصارى- ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم ( )، ويكفي للتأكيد على ذلك شواهد تاريخية منها:
1- مؤامرة ابن العلقمي الرافضي في إسقاط بغداد 656هـ: وملخص الحادثة أن ابن العلقمي كان وزيرا للخليفة العباسي المستعصم وكان الخليفة على مذهب أهل السنة، كما كان أبوه وجده، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ، فكان هذا الوزير الرافضي يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الشيعة الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامرته ضد الخلافة، وكانت خيوط المؤامرة تتمثل في ثلاث مراحل:
أ-المرحلة الأولى: إضعاف الجيش، ومضايقة الناس حيث سعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين قال ابن كثير رحمه الله: وكان الوزير ابن العلقمي يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط اسمهم من الديوان فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل.. فلم يزل يجتهد في تقليلهم، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف ( ).
ب- المرحلة الثانية: مكاتبة التتار: يقول ابن كثير رحمه الله: ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف الرجال ( ).
ج-المرحلة الثالثة: النهي عن قتال التتار وتثبيط الخليفة والناس: فقد نهى العامة عن قتالهم ( )، وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء، والأمراء والأعيان، فتم بهذه الحيلة قتل الخليفة ومن معه من قواد الأمة وطلائعها، بدون أي جهد من التتار.
وقد أشار أولئك الملأ من الشيعة الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال له الوزير ابن العلقمي: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كانت عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، ويقال: إن الذي اشار إليه بقتله الوزير العلقمي ونصير الطوسي ( )، ثم مالوا على البلد فقلتوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والمشايخ والكهول والشباب، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وقد قتلوا من المسلمين ما يقال إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أوأكثر أو أقل، ولم ير الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتار، وقتلوا الهاشميين، وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين، فهل يكون مواليا لآل رسول الله × من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين ( ).
وقتل الخطباء والأئمة، حملة القرآن، وتعطلت المساجد، والجماعات، مدة شهور ببغداد( ).
وكان هدف ابن العلقمي: أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة، ينشرون بها مذهبهم، فلم يقدره الله على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف به عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده ( ).
2-الدولة الصفوية: في الدولة الصفوية والتي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي، فرض تشيع الاثنى عشرية على الإيرانيين قسرا، وجُعل المذهب الرسمي لإيران وكان إسماعيل قاسيا متعطشا للدماء إلى حد لا يكاد يصدق ( )، ويشيع عن نفسه أنه معصوم وليس بينه وبين المهدي فاصل، وأنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر الأئمة الاثنى عشر ( )، ولقد تقلد سيفه وأعمله في أهل السنة، وكان يتخذ سب الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، وقد أمر الشاه أن يعلن السب في الشوارع، والأسواق، وعلى المنابر، منذر المعاندين بقطع رقابهم، وكان إذا فتح مدينة أرغم أهلها على اعتناق الرفض بقوة السلاح ( )، ولقد آزر شيوخ الروافض سلاطين الصفويين في الأخذ بالتشيع إلى مراحل من الغلو، وفرض ذلك على مسلمي إيران بقوة الحديد والنار، وكان من أبرز هؤلاء الشيوخ شيخهم على الكركي ( )، الذي يلقبه الشيعة بالمحقق الثاني قربه الشاه طهماسب، ابن الشاه إسماعيل وجعله الآمر المطاع في الدولة، وكذلك كان من شيوخ الدولة الصفوية المجلسي، والذي شارك السلطة في التأثير على المسلمين في إيران، حتى يقال إن كتابه (حق اليقين) كان سببا في تشيع سبعين ألف سني من الإيرانيين ( )، والأقرب أن هذا من مبالغات الشيعة، فإن الرفض في إيران لم يجد مكانه إلا بالقوة والإرهاب لا بالفكر والإقناع ( ).
ولا ينسى الجانب الآخر من أثر الدولة الصفوية، وذلك في حروبها لدولة الخلافة الإسلامية العثمانية، وتعاونها مع الأعداء من البرتغال ثم الإنجليز ضد المسلمين، وتشجيعها لبناء الكنائس ودخول المبشرين والقسس، مع محاربتهم للسنة وأهلها ( ).
هذه بعض آثار دولتهم وأفرادهم في هذا المجال، ومن كلمات ابن تيمية رحمة الله الخالدة والمهمة في هذا الموضوع، والتي إذا طبقتها على الواقع، وإذا استقرأت من خلالها وقائع التاريخ رأيت صدقها كالشمس، قوله رحمه الله: فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام فإنه يجد معظم ذلك من قبل الرافضة، وتجدهم من أعظم الناس فتنا وشرا، وأنهم لا يقعدون عما يمكنهم من الفتن والشرور وإيقاع الفساد بين الأمة ( )، ونحن قد علمنا بالمعاينة والتواتر أن الفتن والشرور العظيمة التي لا تشابهها فتن، إنما تخرج عنهم ( ).
فمع من نتحد يا معشر أهل السنة؟،مع من يطعن في قرآننا ويفسره على غير تأويله ويحرف الكلم عن مواضعه، ويكفر الصديق والفاروق وأم المؤمنين وأحب نساء النبي × إليه عائشة -رضي الله عنه-، وطلحة والزبير وغيرهم من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم، ويخادع المسلمين باسم التقية ( ).
3- من التجارب المعاصرة في التقريب:
أ- تجربة مصطفى السباعي: بذل الدكتور مصطفى السباعي عدة مساع مع بعض علماء الشيعة في مسألة التقريب، وسعى لعقد مؤتمر إسلامي لدراسة السبل الكفيلة لإرساء دعائم الألفة والمودة والتقارب بين الفريقين، وكان يرى من أكبر العوامل في التقريب أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضا، وأن تصدر الكتب والمؤلفات التي تدعوا إلى التقارب، وكان يرى عدم إصدار الكتب التي تثير أحد الطرفين، وقام مصطفى السباعي بزيارة أحد مراجع الشيعة الكبار، ومن يعد عندهم من أكبر دعاة الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب والدعوة إلى توحيد الصف وجمع الكلمة، وهو شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي فألفاه متحمسا لهذه الفكرة ومؤمنا بها، واتفق معه على عقد مؤتمر إسلامي بين علماء السنة والشيعة لهذا الغرض، كما قام السباعي بزيارة وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء للغرض نفسه، وخرج من هذه الاتصالات فرحا لحصوله على تلك النتائج، وما كان يخطر ببال السباعي -رحمه الله - أو يدور بخلده ما تنطوي عليه نفوس القوم من أهداف، وما يرمون إليه من وراء دعوة التقريب من خطط، حتى فوجيء السباعي -كما يقول- بعد فترة بأن هذا الموسوي المتحمس للتقريب قام بإصدار كتاب في أبي هريرة -رضي الله عنه- مليء بالسباب والشتائم، بل انتهى فيه إلى القول بأن هريرة -رضي الله عنه- كان منافقا كافرا، وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار ( ). ثم يقول السباعي: لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معا، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي ( )، وذكر السباعي أن غاية ما قدم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار ( )، ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب أثر لدى علماء الشيعة في العراق وإيران، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة ( )، ويذكر السباعي أن كل بحث علمي في تاريخ السنة أو المذاهب الإسلامية لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة يقيم بعض علمائهم النكير على من يبحث في ذلك، ويتسترون وراء التقريب ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب، ولكن كتابا ككتاب عبد الحسين شرف الدين في الطعن في أكبر صحابي موثوق في روايته للأحاديث في نظر أهل السنة لا يراه أولئك العائبون أو الغاضبون عملا معرقلا لجهود الساعين إلى التقريب، ويقول: لست أحصر المثال بكتاب: «أبي هريرة» المذكور، فهناك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع على جمهور الصحابة ما لا يتحمل سماعه إنسان ذو وجدان وضمير، مما يؤجج نيران التفرقة من جديد ( )، هذه تجربة الشيخ السباعي رحمه الله ومحاولته أفلست أمام تعصب شيوخ الشيعة وإصرارهم في عدوانهم على خير جيل وجد في خير القرون ( ).
لقد أصبح التقريب في مفهوم الشيعة الرافضة، أن يتاح لهم المجال لنشر عقائدهم في ديار السنة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله ×، وأن يسكت أهل السنة عن بيان الحق، وإن سمع الروافض الحق يعلوا هاجوا وماجوا قائلين إن الوحدة في خطر ( ).
ب- تجربة الشيخ موسى جار الله: هذا الشيخ الجليل من علماء روسيا فهو موسى بن جار الله التركستاني القازاني الروسي، شيخ مشايخ روسيا في نهاية العصر القيصري وبداية الحكم السوفيتي، كان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور مسلمي روسيا الذين كانوا يزيدون عن الثلاثين مليون نسمة، ثم هب عليه إعصار الشيوعية فأصبح بعيدا عن دياره وأهله، قام بتأليف رسائل وكتب، تنقل بين الهند والحجاز ومصر والعراق، قال عن نفسه: كان بوسعي أن أعد كاتب روسيا الأول وأحد زعماء الطليعة فيها لو أنني تخليت عن إيماني، ولكنني آثرت أن أشترى الآخرة بالدنيا ( ).
حاول هذا العالم الجليل أن يجمع شمل الأمة، وأن يوحد أهل السنة والشيعة وبذل جهودا في هذا الجانب عظيمة، فبدأ بدراسة كتب الشيعة وطالعها باهتمام كما يذكر أنه طالع (أصول الكافي وفروعه) و(من لا يحضره الفقيه)، وكتاب (الوافي) و(مرآة العقول) و(بحار الأنوار) و (غاية المرام) و كتبا كثيرة وغير هذه الكتب ( )، ثم زار ديار الشيعة وعاش فيها أكثر من سبعة أشهر يزور معابدها ومشاهدا ومدارسها ويحضر محافلها وحفلاتها في العزائم والمآتم، ويحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها، والمدارس وحجراتها، وأقام بالنجف أيام المحرم ورأى كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء ويوم عاشوراء، وخرج هذه العالم بنتيجة علمية، فرأى ببصيرته النافذة وعلمه الغزير أن نقد عقائد الشيعة وواقعها هو أول مرحلة من تأليف قلوب الأمة، لا تأليف بدونها، وكان أول مساعيه في التقريب لقاؤه مع شيخ الشيعة محسن الأمين في طهران، وجرى بينهما بعض الحديث ثم قدم له الشيخ موسى ورقة صغيرة كان تاريخ الرسالة 26/ 8/ 1934 وأرسل منها نسخة إلى علماء النجف، وأخرى إلى علماء الكاظمية، فكتب فيها: أقدم هذه المسائل لأساتذة النجف الأشرف بيد الاحترام بأمل الاستفادة بقلب سليم صادق، كله رغبة في تأليف عالمي الإسلام الشيعة الإمامية الطائفة المحقة -يعني على زعمهم- ( )، وعامة أهل السنة والجماعة راجيا إجابة الأساتذة جميعا أو فرادى، وكل ببيانه البليغ، وبتوقيع يده مؤكدًا بخاتمه ومهره، ثم أورد في الرسالة ما في كتب الشيعة من أمور منكرة مشيرا إلى أرقام الصفحات في كل ما يذكره، فذكر عدة قضايا خطيرة في كتب الشيعة الرافضة،تحول بين الأمة والائتلاف مثل:
• تكفير الصحابة.
• اللعنات على العصر الأول.
• تحريف القرآن الكريم.
• حكومات الدول الإسلامية وقضاتها وكل علمائها طواغيت في كتب الشيعة.
• كل الفرق الإسلامية كافرة ملعونة خالدة في النار إلا الشيعة.
• الجهاد في كتب الشيعة مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل حرمة الميتة وحرمة الخنزير، ولا شهيد إلا للشيعة، والشيعي شهيد ولو مات على فراشه، والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة فالويل يتعجلون.
ثم قال الشيخ بعد ما نقل شواهد هذه المسألة من كتب الشيعة المعتمدة مخاطبا شيوخ الشيعة: هذه ست من المسائل، عقدية الشيعة فيها يقين فهل يبقى لتوحيد كلمة المسلمين في عالم الإسلام من أمل وهذه عقدية الشيعة؟
وهل يبقى بعد هذه المسائل، وبعد هذه العقيدة لكلمة التوحيد في قلوب أهليها من أثر؟.
وهل يمكن أن يكون للأمم الإسلامية -ولهم هذه العقيدة- في سبيل غلبة الإسلام في مستقبل الأيام من سعى؟ ثم أردف ذلك بمسائل منكرة أخرى مثل:
• رد الشيعة لأحاديث الأمة ودعواهم أن كل ما خالف الأمة فيه الرشاد، ويرى أن هذا المبدأ هدم لدين الشيعة قبل أن يهدم دين الإسلام.
• وما في كتب الشيعة من أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما.
• وغلو الشيعة في التقية.
• ثم ذكر أباطيل أخرى شنيعة في كتب الشيعة مثل:
- أن رسول الله × طلق عائشة فخرجت من كونها أم المؤمنين.
- أن القائم عندما يقوم يقيم الحد على عائشة انتقاما لأمه ابنة النبي × فاطمة عليها وعلى أبيها وأولاده الصلاة والسلام.
- أن القائم إذا ظهر يهدم مساجد الإسلام.
• ثم ذكر أن دين الشيعة روحه العداء، وأن ما في كتب الشيعة من حكايات العداء بين الصديق والفاروق، وبين أن كلها موضوعة.
• وذكر أن كتب الشيعة تقول على لسان بعض الأئمة: إن الأمة وإن كانت لها أمانه وصدق ووفاء، لا تكون مؤمنة لإنكارها الولاية.
وأن الشيعة وإن لم يكن عندها شيء من الدين لا عتب لها لأنها تدين بولاية إمام عادل، وذكر مسائل أخرى ثم قال: فتفضلوا أيها الأساتذة السادة بالإفادة حتى يتحد الإسلام وتجتمع كلمة المسلمين حول كتاب الله المبين، فماذا كان جواب الشيعة بهذه المسائل التي نقلتها من أمهات كتب الشيعة عرضا على سبيل الاستيضاح، عملا بأمر الله في كتابه: +فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [النحل: 43/ الأنبياء: 70]، يقول: ثم انتظرت سنة وزيادة، ولم أسمع جوابا من أحد إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، قد قام بوظيفته وتفضل علي بكل أجوبته في كتاب تزيد صفحاته على تسعين، بكلمات في الطعن في العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة، ثم كتب الشيخ موسى كتابه (الوشيعة في نقد عقائد الشيعة)، بعد أن لم ير استجابة من شيوخ الشيعة، ويقول إنني أدافع بذلك عن شرف الأمة وحرمة الدين، وأقضى به حقوق العصر الأول على وعلى كل الأمة ( ).
وإذا كان الشيخ موسى جار الله يرى في نشره كتاب (الوشيعة) وفي نصحه لشيوخ الشيعة أن ذلك أول تدبير في التأليف والتقريب فإن شيوخ الشيعة ترى أن ما كشفه الشيخ موسى يجب أن يكون دفينا ويستفزهم مثل هذا الكشف غاية الاستفزاز، والسبب في انزعاج شيوخ الشيعة من أي كشف لما في كتبهم من أباطيل أن في ذلك فضحا لأغراضهم ومآربهم، وكشفا لاستغلالهم لجمهور البسطاء من الشيعة، دينيا باسم النيابة عن المعصوم المنتظر، وماليا باسم خمس هذا المنتظر ( ).
4-المنهج السليم للتقريب: هو أن يقوم علماء السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم الصحيح المنبثق من كتاب الله وسنة رسوله ×، وبيان صحته وتميزه عن مذاهب أهل البدع، وكشف مؤامرات الشيعة الرافضة وأكاذيبهم وما يستدلون به من كتاب أهل السنة والرد على الشبهات الموجهة لأهل السنة بعلم وعدل وبرهان، ولابد من مصاحبة ذلك كله ببيان لانحرافات الشيعة الرافضة، وكشف ضلالاتهم وأصولهم الفاسدة، وإذا كان أئمة السنة قد شاركوا في ذلك فإنه يجب مضاعفة الجهد وأن يكون جهدا جماعيا مخططا له.
إن المنهج الأصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل وتقريب الشيعة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ×، وفهم الإسلام الصحيح، من خلال علماء أهل السنة وعلى رأسهم فقهاء وعلماء أهل البيت كأمير المؤمنين علي وأبنائه وأحفاده من العلماء، ولابد من الوقوف في وجه المد التبشيري الرافضي، الذي يشين لأهل البيت الأطهار، والذي ينشط اليوم بشكل قوي في العالم الإسلامي، وفي أوروبا وأمريكا، وحتى يجتمع المسلمون على كلمة سواء، ويعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا.
وإذا كان لا يجدي مع بعض علماء الشيعة الرافضة الاحتجاج عليهم بالقرآن والسنة والإجماع، وبيان الحق بهذه الأصول لمخالفتهم لأهل السنة في ذلك، فلا يعني ذلك أن نتوقف عن بيان مذهب أهل السنة وصحته، وبطلان مذهب الشيعة وضلاله في تلك الأصول، فذلك سيحد من انتشار عقيدة الروافض بين أهل السنة -بإذن الله تعالى-.
وعلينا أن نبحث عما يكشف باطلهم من كتبهم نفسها، وهذا المنهج لم يسلكه علماؤنا المتقدمون الذين اهتموا بالرد على الروافض، وتفنيد حججهم ودحض دعواهم، ولعل السبب في ذلك أن كتب القوم لم يكن لها ذلك الذيوع والانتشار، وكانت موضع التداول الخاص بهم, أو أن السبب أن هناك بعض كتبهم الأساسية قد وضعت من المتأخرين ونسبت للمتقدمين، أو زيد عليها في العصور المتأخرة (الدول الصفوية) أيا كان السبب هذا أو ذاك أو جميعا فإن كتب الروافض اليوم قد انتشرت ودان بقدسيتها وآمن بصحتها الكثير من الشيعة الروافض، فهم لا يؤمنون إلا بما جاء فيها ولا يحتجون إلا بها، ويردون بها السنة الصحيحة بل نصوص الكتاب الظاهرة بل منهم من يصدق أساطيرها التي تمس كتاب الله العظيم وتزعم الوحي للأئمة وعلم الغيب، فليكن تصحيح وضع الشيعة من كتبهم، وكشف ضلالهم من وراياتهم، ومنطلق التقريب الصحيح من مدوناتهم ( ).
وقد قامت جهود مشكورة في هذا المجال وظهرت بعض الكتب، مثل (الإمامة والنص) فيصل نور، (ثم أبصرت الحقيقة)، محمد بن علي القفاري، و(دراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين)، للدكتور أحمد جلي، إن هذا المسلك ينبغي أن يدرس بعناية واهتماما، فإن القاريء لكتب الشيعة يتلمس خيوطا بيضاء وسط ركام هائل من الضلال، ومن الممكن أن ينسج من هذه الخيوط العقيدة الحقة للأئمة الموافقة للكتاب والسنة الصحيحة، من الضياع والتيه الذي يعيشونه، وهذه الخيوط كما تشمل الأصول تشمل الفروع وعلى ذلك يمكن اللقاء والتقارب ( )، كما ينبغي التنويه وتشجيع الأصوات الإصلاحية الشيعية الصادقة واحترامهم وتقديرهم، والوقوف معهم في نصيحة أقوامهم، كالذي قام به السيد حسين الموسوي -رحمه الله- في كتابه (لله ثم التاريخ، كشف الأسرار في تبرئة الأئمة الأطهار)، وكالجهد العلمي الذي قام به السيد أحمد الكاتب مشكورا في كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)، وعلينا أن نقف مع كل محب صادق لأهل البيت مقتفيا لآثارهم الصحيحة وهديهم الجميل في إرشاد الناس لكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ونعاملهم بكل احترام وتقدير، ونأخذ بأيديهم نحو شواطيء الأمان، ونبين القرآن الكريم طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات ( )، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم × وكل ما جاء عن السلف رضي الله عنهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع, ولكنا لا نعرض للأشخاص فيما اختلفوا فيه بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا ( )، وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه ضلالة تجب محاربتها ( )، والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي على ما هو شر منها، ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تعالى، والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: +الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ" [يونس: 63]، والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم ( )، وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الاستعانة بالمقبورين وطلب الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، لا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة ( )، والعرف الخاطيء لا يغير من حقائق الألفاظ الشرعية، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها والوقوف عندها كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي من كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء( )، والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها ( )، ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين، وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض، برأي أو معصية إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر ( ).
إنه مثل هذه الأصول والمفاهيم تعين الناس عموما في فهم الإسلام المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله × ومنهج أهل السنة والجماعة، الذي أصل لأصوله رسول الله × والخلفاء الراشدون المهديون، ومن سار على نهجهم من العلماء والفقهاء.
إن أهل الحق المتمسكين بنهج أهل السنة، ليس عندهم بدع بحمد الله، ومستندهم القرآن والسنة الصحيحة، ولا يمكنهم التنازل عن شيء من ذلك مما قد يحعل الدين عرضة للمساومة، وأما الشيعة الرافضة فعندهم من البدع الشيء الكثير لا يمنعهم شيء من التنازل عنها إلا التعصب واتباع الهوى والمصالح المادية لبعض شيوخهم المنحرفين عن هدي أمير المؤمنين علي وعلماء أهل البيت رضي الله عنهم جميعا، وذكر العلماء أن أهل السنة عليهم إنكار بدع المبتدعة، وإن كان المبتدع متعبدا بها معتقدا صوابه، ولا بأن أن نقيد إنكارنا على هذه البدع بالقيد المصلحي وفق قاعدة الترجيح بين المفاسد والمصالح المتعارضة بأن نحتمل المفسدة اليسيرة من أجل درء المفسدة الكبيرة، ونحتمل تفويت المعروف الأصغر حرصا على جلب الأكبر، وهذه قاعدة صحيحة عند الفقهاء، والعمل بهذه القاعدة قد يجعلنا نسكت عن إنكار بدعة الشيعة الرافضة في وقت من الأوقات أو في مكان من الأمكنة سدا للذريعة وخروجا عن أصل الإنكار إذا كان الإنكار يؤدي إلى هياج الفتن وإراقة الدماء والاقتتال بين أهل بلد يتكافأ فيه عدد الشيعة مع عدد السنة، وأما في الأحوال الاعتيادية التي لا تكون هناك مفسدة تصاحب هذا الإنكار يكون مستساغا أو واجبا ( ).
وعلى علماء أهل السنة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة، وأن يترفقوا معهم، وقد يكون من تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي لا خلاف فيها أو نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب أو نصرتهم إذا كانوا في نزاع مع كافر أو ظالم، وفق السياسة الشرعية الخاضعة للمصالح والمفاسد، إلا أن الأصل في التعاون وحسن العلاقة وهدوء البحث لا يمكن أن يطرد دائما، ليشمل من يأتي من الشيعة الرافضة بغلو قد يكون في السكوت عنه تحرك الغوغاء والدهماء، بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد والأقوال الشاذة في كل الأحوال، والحد المميز بين الطائفتين الأولى التي نترفق معها في الكلام، والثانية التي نغلظ لها الكلام إنما يكون كامنا في مدى اعتماد القائل على نص شرعي يتكون منه شبهة له أو على تأويل قد تميل إله بعض الأذهان، وأما من يتبع غرائب النقول عن المجاهيل والمتأخرين ومن لا تأويل له فالإنكار -من تجاهه أولى- وربما كان الإغلاظ له أوجب ( ).
إن أهل الحل والعقد من أهل السنة في المجتمعات الطائفية هم الذين يقدرون المواقف السياسية، والتحالفات الحزبية مع الطوائف الأخرى وفق فقه المصالح والمفاسد الذي تضبطه قواعد السياسة الشرعية، وهذا لا يمنع العلماء والدعاة من تعليم المسلمين أصول منهج أهل السنة وتربيتهم عليه، والتحذير من العقائد المنحرفة المندسة في أوساط المسلمين، حتى لا يتأثروا بتلك الأفكار الفاسدة التي يجتهد دعاتها في نشرها بالليل والنهار، والسر والإعلان بدون ملل ولا كلل، وقد قام رسول الله × إبان هجرته للمدينة بعقد المعاهدات مع اليهود، التي تؤمن لهم حياة كريمة في ظل الدولة الإسلامية، وكان القرآن الكريم في نفس الوقت يتحدث عن عقائد اليهود وتاريخهم وأخلاقهم، حتى يعرف المسلمون الحقيقة الشخصية لليهودية، فلا ينخدعوا بها.

المبحث الثالث
الأيام الأخيرة من حياة أمير المؤمنين على بن أبي طالب
واستشهاده رضي الله عنه
أولاً: في أعقاب النهروان:
كان قتال أمير المؤمنين -رضي الله عنه- لهذه الفرقة الخارجة المارقة دليلا قويا وحجة ظاهرة في أنه مصيب في قتاله لأهل الشام، وأنه أولى بالحق من معاوية، فقد جاء عن رسول الله × أنه قال: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق»( )، فالقارئ يتوقع أن الجيش سيكون أشد عزيمة في قتال أهل الشام لما تيقن لديهم هذه البراهين وغيرها مما سبق، كمقتل عمار بن ياسر -رضي الله عنه-، إلا أنه بالرغم من ذلك فالذي حدث عكس ما هو متوقع منهم، فالخطة التي رسمها أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- هي الذهاب إلى الشام بعد الانتهاء من قتال الخوارج، لأن إدخال الشام تحت خلافته وإعادة وحدة الأمة هدف يجب تحقيقه وغاية يسعى إلى الوصول إليها، وما حربه للخوارج إلا تأمين للجبهة الداخلية خشية أن يقعوا بمن في العراق من الذراري أثناء غيابه -كما ذكر ذلك في خطبته- ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذا لم يستطع -رضي الله عنه- غزو الشام حتى استشهد ( )، فلقد كان لخروج الخوارج أثر في إضعاف جيش أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، كما أن الحروب في الجمل وصفين والنهروان، تسببت في ملل أهل العراق للحرب ونفورهم منها، وخاصة أهل الشام في صفين، فإن حربهم ليس كحرب غيرهم، فمعركة صفين الطاحنة لم تفارق مخيلتهم، فكم يتمت أطفال ورملت نساء، بدون أن يتحقق مقصودهم، ولولا الصلح أو التحكيم الذي رحب به أمير المؤمنين علي وكثير من أصحابه لكانت مصيبة على العالم الإسلامي لا يُتخيل آثارها السيئة، فكان هذا التخاذل عن المسير مع علي -رضي الله عنه- إلى الشام مرة أخرى أحب إليهم وتميل إليه نفوسهم، وإن كانوا يعلمون أن عليًّا على حق ( )، ومن المعضلات التي أوهنت جانب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- خروج فرقة تغالى في تعظيم أمير المؤمنين علي وترفعه إلى مقام الألوهية، حتى بدا للبعض أن هذا رد فعل للخوارج الذين يتبرءون من علي ويكفرونه ( )، ولكن هؤلاء كان مقصدهم سيئا وهو إدخال معتقدات فاسدة على المسلمين لهدم الدين وإضعاف المسلمين عامة، وليس جيش علي فقط ( )، ولقد تصدى لهم أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- -كما بينا-، ولاشك أن مباينة الخوارج وقتلهم أضعف جانب علي كثيرا، تم تتابعت الفتوق على علي من بعد، فخرج الخريت بن راشد، وقيل اسمه الحارث بن راشد في قومه من بني ناجية، وكان من ولاة علي على الأهواز، فدعا إلى خلع علي، فأجابه خلق كثير واحتوى على البلاد وجبى الأموال، فبعث إليه جيشا بقيادة معقل بن قيس الرياحي فهزمه وقتله ( )، وطمع أهل الخراج في ناحية علي في كسر الخراج، وانتقض أهل الأهواز، ولابد أن عليا واجه من أجل ذلك بعض الصعوبات المالية والعسكرية، وقد روى عن الشعبي في هذا الخصوص قوله: لما قتل على أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف عامل علي بن أبي طالب من فارس ( ).
وفي الجانب الآخر كان معاوية -رضي الله عنه- يعمل بشتى الوسائل سرا وعلانية على إضعاف جانب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، واستغل ما أصاب جيشه من تفكك وخلاف، فأرسل جيشا إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- سيطر عليها وضمها إليه، وقد ساعده على ذلك عدة عوامل منها:
• انشغال أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بالخوارج.
• عامل أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- على مصر محمد بن أبي بكر لم يكن على قدر من الدهاء كسلفه قيس بن سعد بن عبادة الساعدي الأنصاري، فدخل في حرب مع المطالبين بدم عثمان، ولم يسايسهم كما كان يصنع الوالي السابق فهزموه.
• اتفاق معاوية مع المطالبين بدم عثمان في مصر في الرأي ساعده في السيطرة عليها( ).
• بعد مصر عن مركز أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وقربها من الشام.

• طبيعتها الجغرافية فيهي متصلة بأرض الشام عن طريق سيناء وتمثل امتدادا طبيعيا، وقد أضافت مصر لمعاوية -رضي الله عنه-، قوة بشرية واقتصادية كبيرة، وكذلك أرسل معاوية بعوثه إلى الجزيرة العربية، ومكة والمدينة وإلى اليمن، ولكن لم تلبث هذه البعوث أن ردت على أعقابها عندما أرسل أمير المؤمنين علي من يصدها ( )، وعمل معاوية -رضي الله عنه- على استمالة كبار أعيان القبائل وعمال علي -رضي الله عنه-، فقد حاول سحب قيس بن سعد -رضي الله عنه-، عامل علي على مصر إليه فلم يستطع, ولكنه استطاع أن يثير شك حاشية علي ومستشاريه فيه فعزله ( )، وكان عزل سعد بن قيس مكسبا كبيرا لمعاوية، كما حاول سحب زياد بن أبيه عامل علي -رضي الله عنه- على فارس ففشل في ذلك ( )، وقد استطاع معاوية -رضي الله عنه- أن يؤثر على بعض الأعيان والولاة بسبب ما يمنيهم ويعدهم به، ولما يرونه من علو أمر معاوية، وتفرق أمر علي -رضي الله عنه- إذ يقول في إحدى خطبه: إلا أن بسرا قد اطلع من قبل معاوية، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون عليكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبطاعتهم أميرهم ومعصيتكم أميركم، وبأدائهم الأمانة وبخيانتكم، استعملت فلانا فغل وغدر وحمل المال إلى معاوية، واستعملت فلانا آخر فخان وغدر وحمل المال إلى معاوية، حتى لو ائتمنت أحدهم على قدح خشيت علي علاقته، اللهم إني أبغضتهم وأبغضوني فأرحهم مني وأرحني منهم( ).
ثانيًا: استنهاض أمير المؤمنين على همة جيشه ثم الهدنة مع معاوية:
لم يستسلم أمير المؤمنين على -رضي الله عنه- لهذه المصائب، وهذا التقاعس والتخاذل، فقد بذل جهده في انتهاض همة جيشه بكل ما أوتي من علم وحجة وفصاحة وبيان، فخطبه الحماسية المشهورة -التي اشتهرت عنه، تعتبر من عيون التراث- لم يقلها من فراغ أو خيال، بل من مر تجرعه وواقع أليم عاصره، فمن خطبه التي قالها لما أغير على أطرافه قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنته ( ) الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة( )، وضرب على قلبه بالأسداد ( )، وأوديل ( )، الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخس( )، ومنع النَّصف ( ). ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا, وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم( ) إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنت عليك الغارات، وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار( )، وقد قتل حسان البكري، وأزال خيلكم من مسالحها( )، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ( )، فينتزع حجْلها وقُلبها وقلائدها ورغاثها ( )، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع ( )، والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين ( )، ما نال رجل منهم كلم ولا أريق له دم، فلو أن امرأً مسلمًا مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان عندي جديرا، فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا ( )، حيث صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تَغزون, ويعصى الله وترضون فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ( )، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر( )، أمهلنا يسبخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فإذا أنتم والله من السيف أفر يا أشباه الرجال ولا رجال ( )، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال( )، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما( )، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا( )، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا ( )، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.. لله أبوهم، وهل أحد منهم أشد لها مراسا مني( )، وأقدم فيها مقاما؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنذا قد ذرفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع( ).
إن هذه الخطبة كتلة نارية يصبها أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قذائف ساخنة فوق رءوس أولئك القوم، الذين حرموه من قطف ثمار جهاده، وتحقيق النصر الذي كان يسعى له، وقد صاغها بأسلوب أدبي رائع، يهز بعباراتها المشاعر، ويحرك بألفاظها مكامن النفوس، بعيدا عن الغموض والإبهام، كما أنها خالية من السجع والصناعة اللفظية ( ).
إن الخطب التي تثبت عن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وأعني بها التي تتحدث عن خلافته تعكس صورة تاريخية تتعدى الوصف الظاهري لتكشف عن شعور أمير المؤمنين -رضي الله عنه- تجاه ما يلقاه من جيشه من تخاذل بعد معركة النهروان، ولكن معظم الخطب التي نسبت إليه -رضي الله عنه- لا تصح، فعدد من العلماء يقولون عن خطب علي -رضي الله عنه- في نهج البلاغة إنها من تأليف ووضع الشريف الرضى ( )، فلابد من إعمال منهج نقدي دقيق عند التعامل معها باعتبارها مصدرا تاريخيا، هذا ومن ناحية أخرى أخذ علي -رضي الله عنه- يذكر أصحابه بفضائله ومناقبه ومنزلته الرفيعة في الإسلام، فيحدثنا عدد من شهود العيان أن عليا -رضي الله عنه- ناشد الناس في الرحبة: من سمع رسول يوم غدير خم: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فقام اثنا عشر رجل -وفي رواية- ستة عشر رجال فشهدوا بذلك( )، وهذا يذكرنا بعثمان -رضي الله عنه- عندما كان يستشهد بالصحابة على مناقبه وفضائله عندما حصره الغوغاء، وكأنه يقول: من هذا عمله وخدمته للإسلام أهكذا يكون جزاؤه مع اختلاف المناسبات، وبالرغم من كل هذه المحاولات والجهود المضنية لم يستطع -رضي الله عنه- أن يحقق ما يريد، إذ لم يستطع أن يغزوا الشام بسبب التفكك والتصدع الذي حدث في داخل جيشه، وتفرق كلمتهم وظهور الأهواء فاضطر أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في سنة أربعين للهجرة أن يوافق لمعاوية بن أبي سفيان، -رضي الله عنه-، على أن يكون العراق له، والشام لمعاوية، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو ( )، قال الطبري في تاريخه: وفي سنة -40هـ- جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو ( ).
ثالثًا: دعاء أمير المؤمنين علي لله - عز وجل - أن يعجل له بالشهادة:
هادن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- معاوية، ويبدو أن هذه الهدنة لم تستمر، فمعاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز في العام الذي استشهد فيه علي -رضي الله عنه- ( )، ولما لم يتمكن علي -رضي الله عنه- من تجهيز الجيش بما يصبوا ويريد، ورأى خذلانهم كره الحياة وتمنى الموت، وكان يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه عز وجل أن يعجل منيته، فمما روى عنه أنه خطب يوما فقال: اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم، ووضع يده على لحيته( )، وقد ألح علي -رضي الله عنه- في الدعاء في أيامه الأخيرة، فعن جندب قال: ازدحموا على علي -رضي الله عنه- حتى وطئوا على رجله فقال: إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأرحني منهم وأرحهم مني ( )، وفي رواية أخرى عن أبي صالح قال: شهدت عليا وضع المصحف على رأسه حتى تقعقع الورق فقال: اللهم إني سألتهم ما فيه فمعنوني، اللهم إني قد مللتهم وملوني،وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير أخلاقي، فأبدلهم بي شرا مني، وأبدلني بهم خيرا منهم، ومث قلوبهم ميثة الملح في الماء ( )، وفي رواية فلم يلبث إلا ثلاثا أو نحو ذلك، حتى قتل رحمه الله ( ).
وقال الحسن بن علي: قال لي علي -رضي الله عنه-: إن رسول الله × سنح لي الليلة في منامي، فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ ( )، قال: ادع عليهم، قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خيرا منهم، وأبدلهم من هو شر مني لهم، قال الحسن -ر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
ابى عبد الله
Admin
Admin
avatar

نقاط : 33771
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 22/02/2010
العمر : 35
الموقع الموقع : فرسان الدعوة السلفيه السنيه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : القراة والنت ومدير منتدى فرسان الدعوة السلفية

مُساهمةموضوع: رد: فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية    الجمعة أبريل 22, 2011 2:51 pm

الشيعة الإثنا عشرية الإمامية (12- الأخيرة)

د. علي الصلابي


أهم عقائد الشيعة وما ينبني عليها
خامسا: استشهاد أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه- وما فيه من دروس وعبر وفوائد:
لقد تركت معركة النهروان في نفوس الخوارج جرحا غائرا لم تزده الأيام والليالي إلا إيلاما وحسرة، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي -رضي الله عنه-، ويثأروا لمن قتل من إخوانهم في النهروان، وأجمع أهل السير والمؤرخون على ذكر رواية مشهورة ( ) لا تسلم من انتقادات لاحتوائها على عناصر متضاربة وأخرى مختلفة، ولا نستبعد بدورنا أن تكون هذه الحادثة المهمة قد تعرضت مثل غيرها إلى إضافات وزيادات في الفترات المتأخرة، ويبدو من خلال المصادر والدراسات أن هناك إجماعًا على أن عملية قتل علي تمت علي أيدي عناصر خارجية انتقاما لضحايا معركة النهروان، أما بقية المعلومات الخاصة بالعملية مثل قصة الحب بين ابن ملجم و قطام والدور المزعوم للأشعث الكندي -سيأتي بيان براءته بإذن الله لاحقا- وغيرها فيصعب قبولها والتصديق بها وإليك تفصيل مقتله -رضي الله عنه-.
1-اجتماع المتآمرين: كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبُرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التيمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب -وكان من أهل مصر- وقال البرك بن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن أبي بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه يطلب ( ).
2- خروج ابن ملجم ولقاؤه بقطام ابنة الشجنة: فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب -وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة- فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنة - وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال، فلما رآها التبست بعقله، ونسى حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني، قالت: بلى التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينة أهلها، قال فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت، قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان، فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر على علي، قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي × وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة -فقالوا لها- قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة- التي قتل في صبيحتها علي سنة 40- فقال: هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره لما كان وانصرف، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه وجثم عليه الحضرمي فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم، فأخذوه، إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب به رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة قال علي: علي بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، الم أحسن إليك؟، قال: بلى، قال: ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال علي -رضي الله عنه- لا أراك إلا مقتولا به،ولا أراك إلا من شر خلقه ( ).
3- محمد ابن الحنفية يروى قصة مقتل أمير المؤمنين علي: قال ابن الحنفية: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذا خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفا، ثم رأيت ثانيا، ثم سمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي ( )، وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذا نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد ( ).
4- وصية الطبيب لعلي وميل أمير المؤمنين للشورى: عن عبد الله بن مالك، قال جمع الأطباء لعلي -رضي الله عنه- يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني، وكان صاحب كسرى يتطبب، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عرقا منها، فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت ( )، وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله، فقال يا أمير المؤمنين إن فقدناك - ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر ( ).
5- وصية أمير المؤمنين علي لأولاده الحسن والحسين -رضي الله عنهم-: دعا أمير المؤمنين علي حسنا وحسينا، فقال: «أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا علي شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا، واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم» ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك ( )؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك، لعظم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم قال: أوصيكما به، فإنه ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، وقال للحسن: «أوصيك أي بني بتقوى الله،وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش»( ).
فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تُعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ×، مازال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه، والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفيء غضب الرب، والله الله فيما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله» ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض -رضي الله عنه- في شهر رمضان سنة أربعين ( )، وجاء في رواية أنه قتل في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ( )، وتحمل هذه الرواية على اليوم الذي فارق فيه الدنيا، لأنه بقي ثلاثة أيام بعد ضربة الشقي ( ).
6- نهى أمير المؤمنين عن المثلة بقاتله: فقد قال -رضي الله عنه- احبسوا الرجل فإن مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص ( )، وفي رواية أخرى قال: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن صححت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت ( )، وفي رواية أخرى زيادة، وهي قوله: إن مت فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( )، وقد كان علي نهى الحسن عن المثلة، وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن، انظر يا حسن،إن مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله × يقول: «إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور» ( )، وقد جاء في شأن وصية أمير المؤمنين بأمر قاتله روايات كثيرة تتفاوت، منها الصحيح ومنها الضعيف، فالرواية التي فيها أمر علي -رضي الله عنه- بإحراق الشقي بعد قتله إسنادها ضعيف، والروايات الأخرى تسير في اتجاه واحد فكلها فيها أمر علي بقتل الرجل إن مات من ضربته ونهاهم عما سوى ذلك، فهذه الروايات يعضد بعضها، وتنهض للاحتجاج بها، هذا من جهة، كما أن أمير المؤمنين على لم يجعله مرتدا، فيأمر بقتله، بل نهاهم عن ذلك لما هم بعض المسلمين بقتله وقال: لا تقتلوا الرجل، فإن برئت فالجروح قصاص، وإن مت فاقتلوه ( )، وتذكر الرواية التاريخية المشهورة: فلما قبض على -رضي الله عنه- بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك الله على إن لم أقتله -أو قتلته- ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله ( )، ثم أن الناس أخذوه فأحرقوه بالنار ولكن هذه الرواية منقطعة ( )، والصحيح من الروايات والذي يليق بالحسن والحسين وأبناء أهل البيت أنهم التزموا بوصية أمير المؤمنين على في معاملة عبد الرحمن بن ملجم، ولا تثبت الرواية التي تقول: فلما دفن أحضروا ابن ملجم، فاجتمع الناس، وجاءوا بالنفط والبواري، فقال محمد ابن الحنفية، والحسين، وعبد الله بن جعفر بن ابي طالب: دعونا نشتف منه، فقطع عبد الله يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه فلم يجزع، وجعل يقول إنك لتكحل عيني عمك، وجعل يقرأ: +اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق: 1]، حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطع، فجزع، فقيل له في ذلك، فقال ما ذلك بجزع ولكني أكره أن أبقى في الدنيا فواقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه، ثم أحرقوه وكان أسمر حسن الوجه، افلج، شعره من شحمة أذنيه، وفي جبهته أثر السجود ( ).
وقال الذهبي عن عبد الرحمن بن ملجم: قاتل علي -رضي الله عنه-، خارجي مفتر،.. شهد فتح مصر، واختط بها مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن والفقه، وهو أحد بني تدول وكان فارسهم بمصر، قرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العباد، ويقال: هو الذي أرسل صبيغا التميمي إلى عمر، -رضي الله عنه-، فسأله عما سأله مستعجم القرآن.. إلى أن قال الذهبي ثم أدركه الكتاب، وفعل ما فعل، وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وفي ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي:
يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حينا فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا

وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله عز وجل ( ).
وأما البرك بن عبد الله فإنه في تلك الليلة التي ضُرب فيها علي قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في إليته، فأُخذ، فقال: إن عندي خبرا أسرك به الليلة فلأن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم، قال: إن أخا لي قتل عليا في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك، قال: بلى، إن عليا يخرج ليس معه أحد يحرسه، فأمر به معاوية فقتل، وبعث معاوية إلى الساعدي - وكان طبيبا- فلما نظر إليه قال اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة، فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منها الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد، وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه فقتله وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله، فأخذه الناس فانطلقوا به على عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا:عمرو قال:فمن قتلت؟ قالوا خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق وما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله ( ).
7- مدة خلافة أمير المؤمنين علي، وموضع قبره وسنه يوم قتل: كانت مدة خلافته على قول خليفة بن خياط، أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال ثلاثة أيام، ويقال أربعة عشر يوما ( )، والذي يظهر أنها أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وذلك لأنه بويع بالخلافة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عام خمس وثلاثين، وكانت وفاته شهيدا في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة ( ).
وقد تولى غسل أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، رضوان الله عليهم، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ( )، وصلى عليه الحسن ابن علي، -رضي الله عنهما-، فكبر عليه أربع تكبيرات ( )، وفي رواية دون إسناد كبر عليه تسع تكبيرات( ).
وأما موضع قبره فقد اختلف فيه وذكر ابن الجوزي عددا من الروايات في ذلك ثم قال: والله أعلم أي الأقوال أصح ( )، ومن الروايات التي جاءت في هذا الشأن ما يلي:
• أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- دفنه عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر ( ).
• رواية مثلها أنه دفن بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلا وعمى موضع قبره ( ).
• رواية تذكر أن ابنه الحسن -رضي الله عنه- نقله إلى المدينة ( ).
• رواية تذكر أن القبر الذي بظاهر الكوفة المشهد الذي بالنجف هو قبر علي -رضي الله عنه-، وأنكر بعض أهل العلم مثل شريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة (ت 178هـ) ومحمد بن سليمان الحضرمي (ت297هـ) ( )، وفي الحقيقة فإن ابتداع ما يسمى مشهد علي -رضي الله عنه- بالنجف كان أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية وكانوا من الشيعة الروافض، وقد صنع الشيعة ذلك على عاداتهم في القرن الرابع، وأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي -رضي الله عنه- بل قيل، هو قبر المغيرة بن شعبة، قال ابن تيمية: وأما المشهد الذي بالنجف، فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي، بل قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر على ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة، مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة، إنما اتخذ ذلك مشهدا في ملك بني بويه - الأعاجم- بعد موت علي بأكثر من ثلاثمائة سنة ( )، وقال: وأما مشهد علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره، بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه ( ).
• واختلف في سنة يوم قتل، فقال بعضهم: قتل وهو ابن تسع وخمسين سنة، وقيل وهو ابن خمس وستين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وستين سنة، وذلك أصح ما قيل فيه ( ).
8-خطبة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بعد مقتل أبيه: عن عمرو بن حُبنشى، قال: خطبنا الحسن بن علي بعد قتل علي -رضي الله عنهما-، فقال: لقد فارقكم رجل أمس ما سبقه الأولون بعلم ولا أدركه الآخرون، إن كان رسول الله × ليبعثه ويعطيه الراية فلا ينصرف ( ) حتى يفتح له، ما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه كان يرصدها لخادم أهله ( ).
9-سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يثنى على علي -رضي الله عنه-: عن ربيعة الجرشي: أنه ذكر علي عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص فقال له سعد: أتذكر عليا، إن له مناقب أربعًا لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من كذا وكذا، وذكر حمر النعم قوله: لأعطين الراية، وقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقوله: من كنت موالاه فعلي مولاه ( )، ونسى سفيان واحدة.
10-عبد الله بن عمر يثنى على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر من محاسن عمله، قال: لعل ذلك يسوؤك قالك نعم قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر من محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي ×، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل، قال فأرغم الله بأنفك، انطلق، فأجهد على جهدك ( ).
11-استقبال معاوية خبر مقتل علي: ولما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ( )، وكان معاوية يكتب فيما ينزل به يسأل له علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك ( )، وقد طلب معاوية، -رضي الله عنه- في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف له عليا، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتصفنه، قالك أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ( )، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله - مع تقريبه إيانا وقربه منا- لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أني قد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ( )، وغارت نجومه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، إلى تعرضت أم إلى تشوفت! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها ( ).
وعن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله × في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف ( ) الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول قضى لي ورب الكعبة، فما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول غفر لي ورب الكعبة ( ).
وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ -رضي الله عنهما- ( ).
12- ما قال الحسن البصري رحمه الله: سئل الحسن البصري عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: كان علي والله سهما صائبا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله ×، لم يكن بالنوامة ( ) عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ( ).
13- ما قاله أحمد بن حنبل في خلافة علي -رضي الله عنه-: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت بين يدي أبي جالسا ذات يوم، فجائت طائفة من الكرخيين فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر بن الخطاب وخلافة عثمان فأكثروا، وذكروا خلافة علي بن أبي طالب وزادوا فأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم، فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم القول في علي والخلافة، والخلافة وعلى ( )، أتحسبون أن الخلافة تزين عليا؟ بل زينها علي ( ).
14- براءة الأشعث بن قيس من دم علي -رضي الله عنه-: ذهبت بعض الروايات إلى اتهام الأشعث بن قيس، قال اليعقوبي: إن عبد الرحمن بن ملجم نزل على الأشعث بن قيس، فأقام عنده شهرًا يستحد سيفه ( )، وذكر ابن سعد في الطبقات، قال: وبات عبد الرحمن ابن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح، فقام عبد الرحمن ابن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي( )، وهذه روايات ضعيفة ( ).
إن اتهام الأشعث ليس عليه دليل، وذلك لأن الأشعث بن قيس عند استعراض دوره في خلافة علي -رضي الله عنه- نجده مخلصا ووفيا، فهو أول من حارب أهل الشام أثناء القتال على الماء، وأظهر العداوة للخوارج منذ نشأتهم، فهو الذي أبلغ عليا -رضي الله عنه- أن الخوارج يقولون: إن عليا تاب من خطيئته ورجع عن التحكيم وقاتلهم في النهروان، وقد حرص كل الحرص على أن يوطد علاقته بعلي وآل بيته، فزوج ابنته من الحسن بن علي، -رضي الله عنه-، وعندما أراد الحسن أن يبني بها قامت كندة وجعلت أرديتها بسطا من بابه إلى باب الأشعث ( )، وقد مات الأشعث من بعد مقتل علي بأربعين ليلة، وصلى عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ( )، وهو زوج بنت الأشعث بن قيس،( )، ولم ينقل عن آل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنهم اتهموا الأشعث بهذه التهمة أو كاشفوا أحدا من آل الأشعث بهذا السبب، ويظل قتل علي عملا من تدبير الخوارج جاء في الأرجح ثأرا لقتلى النهروان ( ).
15- خطورة الفرق الضالة والفرق المنحرفة على المسلمين: إن الفرق الضالة والطوائف المنحرفة عندما تنتشر في بلاد المسلمين تعرض أهله للخطر، وتهدد الأمن والاستقرار وتشكك الناس في عقيدتهم، وتعيث في الأرض فسادا وخرابا، وتلك هي حال الخوارج المارقين الذين خرجوا على علي -رضي الله عنه- وكفروه، وقتله نفر منهم على حين بغتة كما بينا ذلك من قبل، زاعمين أنهم يشرون أنفسهم بهذا الفعل ابتغاء مرضات الله، وما عندهم في ذلك مستند و لا برهان، إن هو إلا اتباع الأهواء وطاعة الشياطين، وإذا تبين لنا مما سبق أن الخوارج قد تسببوا في قتل علي -رضي الله عنه- وعرفنا مناهجهم الفاسدة، فالواجب على أمة الإسلام أن تحذر منهم، وتحارب مناهجهم، ويقوم العلماء والدعاة بواجبهم في ذلك ليستقر الأمن، وتظهر أنوار السنة، وتخمد نيران البدعة، وفعل ذلك وأداؤه على الوجه الأمثل بالتمكين لعقدية أهل السنة والجماعة، ومقارعة البدعة والمبتدعين، وهذا كله من أسباب نهوض المجتمعات، وهذه هي الطريقة المثلى لجمع الشمل ووحدة الصف، ومن تأمل تاريخ الإسلام الطويل وجد أن الدول التي قامت على السنة هي التي جمعت شمل المسلمين، وقام بها الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعز به الإسلام قديما وحديثا، وهذا بخلاف الدول التي قامت على البدعة، وأشاعت الفوضى والفرقة والمحدثات، وفرقت الشمل فهذه سرعان ما تندثر، وتنقرض ( ).
16-الحقد الدفين الذي امتلأت به قلوب الحاقدين من الخوارج على المؤمنين الصادقين:
الكشف عن الحقد الدفين الذي امتلأت به قلوب الحاقدين من الخوارج على المؤمنين الصادقين، دل على ذلك قول عبد الرحمن بن ملجم -يعني سيفه-: والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقى منهم أحد ( ).
إن كلماته هذه تبرز لنا العداء السافر الذي يكنه هؤلاء الخوارج، لا علىعموم المؤمنين فحسب، بل على القادة الكبار من أمثال علي بن أبي طالب، -رضي الله عنه- الذي تجتمع في شخصه -رضي الله عنه- أعظم المناقب وأجل السجايا، وانظر -رعاك الله- كيف تورد المناهج الباطلة، والأفكار المنحرفة وأصحابها إلى دركات من التعاسة والشقاء، عندما يغتالون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ( ).
17- تأثير البيئة الفاسدة على أصحابها: إذ البيئة الفاسدة تؤثر على أصحابها حتى لو كان منهم من يحب العدل ويسعى إليه، فهذا عبد الرحمن بن ملجم يقابل شبيب بن بجرة فيقول له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئًا إدًّا، كيف تقدر على علي! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عن الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك! لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي ×، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل العباد الصالحين؟! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، تقول رواية الطبري: فأجابه ( ).
فانظر -رعاك الله- كيف يؤثر أصحاب الآراء الضالة والأفكار المنحرفة على من يخالطونهم ويجلسون معهم؟ إنه على الرغم من أن شبيبًا لم ينشرح صدره لقتل علي لما يعلمه عنه بلائه في الإسلام وسابقته مع النبي ×، إلا أنه استجاب لابن ملجم لما أثر عليه بالشبهة التي ألقاها عليه عندما ذكره بقتل علي -رضي الله عنه- لإخوانه من الخوارج المارقين، فأثار فيه العاطفة تجاههم، رغم أنهم قتلوا بالحق لا الباطل، فاستجاب لصاحبه، وانقاد له فكانت النتيجة: إفساد الأفكار،وتلويث السمعة، والخسران المبين، وذلك يدعو كل مسلم أن يحذر من مصاحبة من كان على نهج هؤلاء من فاسدي الاعتقاد ملوثي الأفكار، وأن يسارع إلى مجالسة العلماء الربانيين الذين يعلمون الحق ويعملون به، ويرشدونه إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، وإنه إن لم يرض بهذه السبيل القويمة، وخالط أولئك المنحرفين في عقيدتهم فسيعض أصابع الندم، ولات ساعة مندم ( ) كما قال الله تعالى: +وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً  يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً  لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً" [الفرقان: 27- 29].
هذه بعض الدروس والعبر والفوائد من حادثة مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- العالم الرباني، الذي أفنى عمره كله خاشعا له تعالى، أواهًا منيبا، وخط لنا طريقا مباركا للاقتداء والتأسي به.
سادسًا: ما قيل في أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه- من رثاء:
1- ما قاله أبو الأسود الدؤلي: وقال ابن عبد البر: وأكثرهم يرويها لأم الهيثم بنت العريان النخعية أولها:
ألا يا عين ويحك أسعدينا
ألا تبكي أمير المؤمنينا

تبكي أم كلثوم عليه
بعبرتها وقد رأيت اليقينا

الا قل للخوارج حيث كانوا


فلا قرت عيون الشامتينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرًّا أجمعينا

قتلتم خير من ركب المطايا
وذللها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها
ومن قرأ المثاني والمئينا

فكل مناقب الخيرات فيه
وحب رسول رب العالمينا

لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرها حسبا ودينا

وإذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت البدر فوق ( ) الناظرينا

وكنا قبل مقتله بخير
نرى مولى رسول الله فينا

يقيم الحق لا يرتاب فيه
ويعدل في العدا والأقربينا

وليس بكاتم علما لديه
ولم يخلق من المتجبرينا

كأن الناس إذا فقدوا عليا
نعم حار في بلد سنينا ( )

2-ما قاله إسماعيل بن محمد الحميري من شعر له:
سائل قريشا به إن كنت ذا عَمَهٍ
من كان أثبتها في الدين أوتادا



من كان أقدم إسلاما وأكثرها
علما وأطهرها أهلا وأولادا

منن وحد الله إذ كانت مكذِّبة
تدعو مع الله أوثانا وأندادا

من كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا
عنها وإن يبخلوا في أزمة جادا

من كان أعدلها حكما وأبسطها
علما وأصدقها وعدا وإيعادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن
إن أت لم تلق للأبرار حسادا

إن أنت تلق أقواما ذوي صلف
وذا عناد لحق الله جحادا ( )

3- ما قاله بكر بن حماد التاهرتي ( ) ردا على شاعر الخوارج عمران بن حطان ( ):
قال شاعر الخوارج عمران بن حطان:
يا ضربة من تقي ما أرد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حينا فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا

فقال بكر بن حماد التاهرتي معارضا في ذلك:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة
هدمت ويلك للإسلام أركانا

قتلت أفضل من يمشي على قدم
وأول الناس إسلاما وإيمانا

وأعلم الناس بالقرآن ثم بما
سن الرسول لنا شرعا وتبيانا

وكان من الحرب سيفا صارما ذكرا
ليثا إذا لقى الأقران أقرانا

ذكرت قاتله والدمع منحدر
فقلت سبحان رب الناس سبحانا

إني لأحسبه ما كان من بشر
يخشى المعاد ولكن كان شيطانا

أشقى مرادا إذا عدت قبائلها
وآخسر الناس عند الله ميزانا

كعاقر الناقة الأولى التي جلبت
على ثمود بأرض الحجر خسرانا

قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها
قبل المنية أزمانا فأزمانا

فلا عفا الله عنه ما تحمله
ولا سقى قبر عمران بن حطانا

لقوله في شقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

بل ضربة من غوي أوردته لظى
فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا

كأنه لم يرد قصدا بضربته
إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا ( )

وهكذا خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم، وقد طويت بوفاته صفحة من أنصع صفحات التاريخ وأنقاها، فقد عرف فيه التاريخ رجل فذا من طراز فريد، كانت همته في رضا الله تعالى، وكان همة انتصار الإسلام، وأعظم أمانيه سيادة أحكام الله في دنيا الناس، وأقصى غايته تحقيق العدالة بين أفراد رعيته.
إن دراسة عهد الخلفاء تمد أبناء الجيل بالعزائم الراشدية، التي تعيد إلى الحياة روعة الأيام الجميلة الماضية، وبهجتها، وترشد الأجيال بأنه لن يصلح أواخر هذا الأمر إلا بما صلحت به أوائله، وتساعد الدعاة والعلماء، وطلاب العلم على التأسي بذلك العهد الراشدي ومعرفة خصائصه ومعالمه وصفات قادته وجيله، ونظام حكمه ومنهجه في السير في دنيا الناس، وذلك يساعد أبناء الأمة على إعادة دورها الحضاري من جديد.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهرا بتاريخ 7 ربيع الآخر 1424هـ الموافق 7 يونيو 2003م، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويشرح صدور العباد للانتفاع به، ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده، قال تعالى +مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [فاطر: 2].
ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب بفضله وكرمه وجوده، متبرئا من حولي وقوتي، فالله هو المتفضل، وهو المكرم، وهو المعين، وهو الموفق، فله الحمد على ما من به علي أولا وآخرا، وأسأله سبحانه بأسماءه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصا ولعباده نافعا، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى، وأختم الكتاب بقول الله تعالى: +رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" [النمل: 19].
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsan-alslafih.yoo7.com
 
فكر الشيعة الإمامية الإثنا عشرية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أهل السنة والجماعة (بورسعيد ) :: منتدى العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص :: فرق ومذاهب مخالفه :: مـلف خـاص عن => الشيعة الرافضة-
انتقل الى: